القاضي عبد الجبار الهمذاني
67
المغني في أبواب التوحيد والعدل
شبهة أخرى لهم وربما تعلقوا باختلاف الأمة في الفقه والاجتهاد ، بأن قالوا : لا بد من حجة ليقطع هذا الخلاف / لأنه لا يمكن إثبات حجة قاطعة في الكتاب والسنة ، ولا بد من أن يكون علم ذلك مستودعا « 1 » في الإمام ؛ وهذا يبطل بما دللنا عليه من إثبات الاجتهاد . والّذي كلف تعالى في الاجتهاد ليس هو الاتفاق ، بل الاختلاف التابع للاجتهاد الصحيح هو الّذي كلفوه ، فلا يجب إثبات إمام ، ليزيل الاختلاف الّذي هو الحق . وبعد فلو كان الحق في واحد ، لكان لا بد من أن يكون عليه دليل ، كالمذاهب في التوحيد والعدل ، فكما يستغنى عن الإمام فيها لما قدمناه من قبل ، فكذلك كان يجب الاستغناء عنه في هذه المسألة ، وأن يقال : إن من خالف الحق إنما أبى من قبل نفسه بأن قصّر في النظر . فالاستدلال الّذي يمكنه أن يفعله على الوجه الّذي لزم « 2 » أو وجب ، وفي ذلك إبطال الاستغناء عن الإمام . ويلزمهم على هذه العلة وجود الإمام وظهوره والتمكن من ملاقاته لإزالة هذا الاختلاف . ويلزمهم وجود الحجة في كل بلد ، وعند كل فريق . ويلزمهم إبطال الفتاوى من العلماء لجواز الغلط عليهم ، أو على كثير منهم ؛ وأن يوجبوا أن لا يفتى إلا الإمام ، وأن لا يحكم إلا هو . وفي ذلك خروج من دين المسلمين . وبعد فقد علمنا أن من يعرف الإمام والحجة قد اختلفوا في مذاهب فيلزمهم الحاجة إلى إمام آخر يقطع اختلافهم ؛ وما يوجب الغنى عن ذلك في اختلافهم ينقض ما ذكروه من علتهم . على أن ما نعرفه من حال من تقدم من الأئمة يمنع من هذا القول ؛ لأنهم كانوا لا يمنعون من الاختلاف والاجتهاد . فالثابت عن أمير المؤمنين عليه السلام
--> ( 1 ) في الأصل مستودع . ( 2 ) في الأصل ( لزما ووجبا ) فقدرنا أن ( ألف أو ) اتصلت ( بميم لزم ) ، ولكنا لم نجد ( للألف الثابتة في باء ووجب ) تخريجا . والأمر بين يدي القارئ .