القاضي عبد الجبار الهمذاني
57
المغني في أبواب التوحيد والعدل
نعم ، فلا حاجة بهم إلى الإمام . وإن كان النقص قائما ؛ لأن النقص في هذا الوجه بمنزلة وصفهم بأنهم أجسام ومحدثون ، إلى غير ذلك مما لا يؤثر في هذا الباب . ثم يقال لهم : يصح منه تعالى رفع هذا النقص بغير الإمام والرسول أم لا ؟ فإن قالوا : لا ، فقد جعلوا للإمام من القدرة ما لم يجعلوه للّه تعالى ، وإن قالوا : يصح ذلك ، قيل لهم : فجوزوا في كثير من الأعصار أنه تعالى أزاله عن المكلفين ، فمن أين أن الحاجة إلى الحجة واجبة في كل عصر ؟ ثم يقال لهم : أتعلمون كون الإمام حجة باضطرار أو باستدلال ؟ فإن قالوا : باضطرار ، فنقصهم لا يؤثر ، وقيل لهم : فجوزوا في سائر أمور الدين أن تعلموه باضطرار ، ولا يقدح النقص . فإن قالوا : باستدلال ، قيل لهم : فنقصهم يمنع من قيامهم بما كلفوه من الاستدلال على كونه حجة . وإن قالوا : نعم ، لزمه الحاجة إلى إمام آخر ، ثم الكلام فيه كالكلام في هذا الإمام ، ويوجب ذلك إثبات أئمة لا أول لهم مع أنهم لا يؤثرون كما لا يؤثر الواحد ، فلا بد من القول بأنه يمكنهم معرفة الحجة والقيام بتصديقه من غير حجة . قيل لهم : فجوزوا مثل ذلك في سائر ما كلفوه ، وإن كان النقص قائما . ثم يقال لهم : قد علمنا أن الإمام لا يصح أن يغير حالهم في القدرة والآلة والعقل وسائر وجوه التمكين ، فلا بد من كونها حاصلة . وكذلك فالأدلة على ما كلفوه منصوبة مع فقد الحجة ؛ فإذا صح ذلك فما الّذي يمنع من أن يستدلوا بها فيعلموا ما كلفوه ويقوموا به مع فقد الإمام . وهلا كان حالهم مع فقده كحالهم مع وجوده ، وإنما يستفيدون بالنظر في الأدلة ، وذلك ممكن مع عدمه . وقد بينا من قبل أنه لا يمكن أن يقال : إنه منبه ؛ لأن ذلك يصح ممن ليس بحجة / وبينا أن الشرع قد يجوز أن يستغنى عنه في كثير من المكلفين .