القاضي عبد الجبار الهمذاني

330

المغني في أبواب التوحيد والعدل

أن ينفرد بروايته جماعة يسيرة ، بل الواحد والاثنان مثل سائر الحكام ومثل الشهادات . فإن قالوا : نعلم أنه لا يصح لقوله تعالى في كتابه : [ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ] قيل لهم : ومن أين أنه ورثه مع تجويز أن يكون المراد به ورّثه العلم والحكمة . فإن قالوا : إطلاق الميراث لا يكون / إلا في الأموال . قيل له « 1 » : إن كتاب اللّه يبطل قولكم ؛ لأنه قال : [ ثُمَّ أَوْرَثْنَا « 2 » الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ] والكتاب ليس بمال ، ويقال : ما ورثت الأبناء عن الآباء شيئا هو أفضل من أدب حسن . وقالوا : العلماء ورثة الأنبياء ، وإنما ورثوا منهم العلم دون المال . على أن في الكتاب ما يدل على ما قلناه ، وهو قوله : [ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ] « 2 » فنبه على أن الّذي هو ورث هذا العلم وهذا الفضل ، وإلا لم يكن لهذا القول تعلق بالأول . فإن قالوا : فقد قال تعالى : [ فَهَبْ « 3 » لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ] وذلك يبطل الخبر . وقيل له : ليس في ذلك بيان المال أيضا ، وفي الآية ما يدل على أن المراد العلم ؛ لأن زكريا خاف على العلم أن يندرس . فأما قوله : [ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ] يدل على ذلك ؛ لأن الأنبياء لا تحرص على الأموال حرصا يتعلق وجوبها به ، وإنما أراد خوفه على العلم أن يضيع فقال اللّه تعالى : [ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ] يقوم بالدين مقامه . وقوله : [ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ] يدل على أن المراد العلم والحكمة لأنه لا يرث أموال يعقوب في الحقيقة وإنما يرث ذلك غيره .

--> ( 1 ) كذا في الأصل والأولى ( لهم ) . ( 2 ) سورة فاطر . ( 3 ) الآية من سورة مريم .