القاضي عبد الجبار الهمذاني
319
المغني في أبواب التوحيد والعدل
يكون إماما لأنه يجب أن يعتبر / ما الّذي وصى إليه فيه . وإذا جاز أن يكون للمرء جماعة أوصياء يكل إلى كل واحد منهم غير الّذي يكل إلى صاحبه ، فما الّذي يمنع من أن يوصى إلى واحد في أمر مخصوص دون غيره ؟ وبعد فإن الإمامة طريقها الدين ، فيجب أن تقف على السمع ، فلم يثبت أنه من باب ما تجوز الوصية به نصا . واعلم أن الأصل في إبطال هذه الشبه ما بيناه من إجماع الصحابة على ثبوت الإمامة بالاختيار ، وقد صح أن الإجماع حجة ، فيجب أن يقال به ، وليس يصح مع وجوب القول بذلك في طريقة الاختيار إلا ما قدمناه ، فلا وجه لاعتراضهم على الفرع مع ثبوت الأصل ؛ لأن ثباته يقتضي ثبات الفرع وثباته يزيل كل طعن . قال شيخنا أبو علي : لم يختلف في زمان الأئمة الأربعة أن على علماء المسلمين وصلحائهم أن يقيموا إماما إذا لم يكن إمام ولا ذو عهد من إمام ، وذلك يثبت الاختيار . وأيضا فإن الحدود والأحكام وإقامة الشهود وتعديلهم ، وغير ذلك لم يكن يتولاها في عهد رسول اللّه إلا هو وأمراؤه ، ولم تقم الحجة أن لغيرهم أن يقوم بذلك ، وأجمعوا أن للإمام وأمرائه أن يقوموا به . فصح بهذا أن ذلك إلى الأئمة وأمرائهم ، فلما مات عليه السلام ولم ينص على واحد دلهم على أنه لا يجوز تعطيل الحدود والأحكام ، وأوجب ذلك أن يقيموا لأنفسهم إماما ليقوم بهذه الأمور ، وهذا يوجب ثبوت الاختيار ، فإذا لم يصح إلا على ما ذكرناه وجب القضاء بصحته . وبعد فلما ثبت إجماعهم على أنه لا بد للناس من إمام ، وعلمت الأمة ألا نص ، وجب أن يلزم العلماء والصالحون « 1 » الذين يعرفون من يصلح للإمامة أن يقيموا هذا الإمام ؛ لأنهم لو لم يقيموه ولم يلزمهم لبطلت الحاجة إلى الإمام .
--> ( 1 ) في الأصل ( الصالحين )