القاضي عبد الجبار الهمذاني
30
المغني في أبواب التوحيد والعدل
الإلزام إنما يتجه على العلل والطريقة دون نفس المذهب . واعلم أن الّذي يفعله العقلاء لا مدخل له في باب الإمامة ؛ لأنهم يفعلون ما يتصل باجتلاب المنافع ودفع المضار . والاستعانة بالغير عند الحاجة يدخل في هذا الباب ، ولا فرق بين الاستعانة بوكيل يقوم بأمر الدار والضيعة أو « 1 » الاستعانة بأمين يقوم بحفظ البلد ، أو يقوم بدفع مضرة العدو . فجميع هذه الأمور ترجع / إلى طريق اجتلاب المنافع ودفع المضار ، وربما حسن ذلك إذا لم يتعلق إلا باجتلاب المنافع ، وربما وجب إذا تعلق به دفع المضار ، وربما يبلغ العقلاء فيه حد الإلجاء إذا لم يتوصلوا إلى دفع المضار العظيمة إلا به . فلا فرق بين من يدعى نصب إمام بهذه الطريقة وبين من يدعى جميع ما يتعلق باجتلاب المنافع ودفع المضار ، ويجعله أصلا في هذا الباب . وقد علمنا أن العقلاء قد يغلب على ظنهم أن انفرادهم عن رئيس في بعض الحالات أقرب إلى اجتلاب المنافع ودفع المضار المتعلقة بالجماعة والآحاد ، كما قد يغلب في ظنهم خلاف ذلك . فليس بأن يجعل ذلك طريقا لوجوب الإمام أولى من أن يجعل طريقا لوجوب تركه . فإن قالوا : إنما يختلف حال العقلاء فيمن ينصّب رئيسا إذا كان ظنهم فيه يختلف ، فأما إذا علموا أنه لا يريد إلا الصلاح والإصلاح لم يختلفوا في نصبه ، فيجب إذا كان الإمام معصوما أن يكون نصبه مقررا في العقول . قيل لهم : قد يجوز أن يقتصر بالعقلاء في مصالحهم على ما يقتضيه الظن ، لأن ذلك لو لم يجز لا ينقض ما نعلمه من أحوال العقلاء فيما يتصل بصلاح دنياهم وبكثير من صلاح الدين ، فلا بد من الإقرار بذلك .
--> ( 1 ) لعل ( الواو ) أنسب في هذا المقام