القاضي عبد الجبار الهمذاني

25

المغني في أبواب التوحيد والعدل

عاقل ، فصح لنا بهذا الوجه القول بأنها لطف ، لأن المعرفة باللّه تقترن بها هذه المعرفة ، وتصح معها . وليس كذلك ما ذكرتموه في الإمام ؛ لا يمكنكم أن تثبتوا في كونه « 1 » صلاحا لما يرجع إلى كل مكلف ، وإلى كل فعل . فكيف يمكنكم تشبيهه بالمعرفة ، مع الفرقان الّذي بيناه . وتبين ذلك أن المعرفة أوجبنا كونها مصلحة للكل ، فيلزمهم في الإمام أن يكون من مصالحه إمام ثان ، ومتى جوزوا استغناءه عن إمام ، لزم ذلك في غيره . ومتى قالوا تقدم من نص عليه يغنيه عن كونه معه في الزمان ، لزم عليه أن تقدم الرسول يغنى المكلفين عن إمام في الزمان ، ويلزمهم على علتهم أن اللّه تعالى لو خلق مكلفا واحدا ، أن يستغنى عن إمام ؛ لأن الألفة والفرقة إنما يصحان في الجماعة . ويلزم إذا كان المعلوم من حال الجماعة أنها تبقى على الطاعة ، كالملكية ، أن تستغنى عن إمام ، وذلك يبطل ما تعلقوا به ، هذا لو سلم ما ادعوه ، فكيف وهو غير سليم ؟ لأن في العقلاء من إذا ترك واختياره ، ولم يحصل تابعا لغيره ومنقادا له ، كان أقرب إلى الصلاح ، ومتى قهر على اتباع غيره كان عن الصلاح أبعد . كما أن في العقلاء من حاله وصفته ما ذكروه ؛ فالصلاح في ذلك مختلف غير متفق . وبعد فيلزمهم على هذه الطريقة إثبات أئمة ؛ لأن المتعالم أن أهل كل بلد إذا كان لهم رئيس يشارف أحوالهم ولا يغيب عنهم ، ويأخذ حالا بعد حال على أيديهم ، ويقوم المعوج منهم ، ويزيل الشتات عنهم ، أنهم أقرب إلى الصلاح من أن يكون الرئيس في العالم واحدا ، فيلزم من ذلك إمام في كل بلد ، ولكل طائفة . ومتى قالوا : إن الامام يولى في كل بلد ، قلنا لهم : ربما كان الصلاح أن لا يتبع الرؤساء بعضهم بعضا ، وينقاد بعضهم لبعض ، لأن من حق الرئيس أن يميّز في

--> ( 1 ) الكون هنا تام بمعنى الوجود فلا يحتاج إلى خبر ، و ( صلاحا ) مفعول ل ( تثبتوا ) المذكورة قبل عبارة ( في كونه ) .