القاضي عبد الجبار الهمذاني
26
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ذلك عن الرعية ، ولأن حكم أولهم كحكم آخرهم ، فإن جاز لبعضهم أن يكون تابعا لبعض ، جاز في أولهم أن يكون تابعا للجماعة ، إذا أرادوا نصبه ، فمن أين أنه لا بدّ من إمام من قبله تعالى ؟ وبعد ، فإن الّذي أشاروا إليه لا يقتضي إلا إثبات رئيس باختيارهم لأنه المتعالم ؛ فمن أين انهم لا يصلحون إلا على إمام من قبله تعالى ؟ ومن أين أن ذلك الإمام يجب أن يكون معصوما ؟ ولو صح كونه صلاحا لم يكن ليثبت بالصفة التي يدعون كون الإمام عليها ، ولم يكن بأن يكون كما ادعوه ، أولى من أن يكون على ما ادعيناه ، وليس يمكنهم أن يعولوا في ذلك على إجماع يقتضي ما يذهب « 1 » إليه ، لأنه لا أحد يوجب الإمام إلا ويذهب مذهبنا ؛ / وذلك لأن الكلام معهم من جهة العقل ، ولا يصح أن يعتمدوا على الإجماع الّذي هو من أدلة الشرع ، لو ثبت صحة تعلقهم بالإجماع ، وكيف والإجماع على طريقتهم تابع في الصحة لثبوت الإمامة ، ولولا دخول قول الإمام في جملة المجمعين ، لما كان عندهم الإجماع حجة ، فتعلقهم بذلك يقتضي إثبات أصل لفرعه ، وذلك مما لا يعقله نظّار . فإن قالوا : قد علمنا أن الجمع العظيم مع المواطأة أقرب إلى أن لا يقع منهم الفساد والظلم ، ويصير نصب من يجمعهم على المواطأة أبعد من الفساد . قيل لهم : ومن أين أنهم مع المواطأة أبعد من الفساد ، وقد يختلف الحال في ذلك ، فربما كانوا أبعد ، وربما كانوا أقرب ، فكيف جعلتم ذلك أصلا ، بنيتم عليه الإمامة ؟ . . . « 2 » يبين ذلك أن مواطأتهم على ذلك ليس بأوكد من إيجاب اللّه تعالى ترك الفساد والظلم ، في عقولهم ؛ فإذا لم يجب عند ذلك أن تكونوا أبعد من الظلم ، فبأن لا يجب ذلك مع المواطأة أولى ، لأن المواطأة في حكم أن يلزموا أنفسهم ذلك ،
--> ( 1 ) لعلها ( يذهبون ) . ( 2 ) هنا في الأصل بياض صغير يتسع لكلمة صغيرة .