القاضي عبد الجبار الهمذاني

19

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الّذي يخلقهما ، وقد علمنا / من حال الأئمة والأنبياء خلاف ذلك . فإذا لم يصح هذا الوجه فمن أين صحة قيامهما بالإمام ، والمعلوم أنه تعالى قادر على ذلك ، ولا حاجة بهما إلى وجود الإمام ، ولا إلى كونه إماما . على أن الإمام لا يصح كونه على الصفة التي معها يكون إماما ، إلا مع قيامها ؛ فلو لم يقوما إلا به ، لكانا محتاجين إليه ، وهو محتاج إليهما ، وذلك يتناقض ، وهذا ركيك من القول ، لولا أن بعضهم أورده لكان ذكره عبثا . وقد علمنا من جهة العقل ، ما هو تمكين من الفعل ، كالقدرة ، ولآلة وسائر ما يختص به القادر ، أو يرجع إلى حال الفعل ، فالإمام خارج عن ذلك كله ، فلا يصح أن يقال : إنه تمكين . فإن قال : إنه بيان ، لأنه حجة للّه تعالى على خلقه ، ولا يخلو الزمان من حجة هو نبي أو إمام ، فإذا لم يجز خلو المكلفين من الأنبياء لكونهم حجة ، فكذلك الأئمة . قيل له : إنه يجوز خلو المكلفين من النبي ، وقد بينا ذلك في باب النبوات ، وتقصينا القول فيه . وإذا كان عامة حال الإمام أن يكون كالنبي ، وخلو المكلفين منه يجوز ، فيجب مثله في الإمام . فبأن يكون هذا القول دليلا عليك ، أولى من أن يكون دليلا لك . فإن قيل : ألستم تقولون إن التكليف لا يتم إلا بالحجة والبيان ؟ فكيف يصح ما ذكرتموه الآن ؟ قيل له : إن ما نقول فيه لا بتم إلا ببيان ما كلف ، والّذي نكلفه من جهة العقل قد ورد به البيان عقلا . ولا نحتاج في ذلك إلى الإمام أو الرسول ، وإنما نحتاج إليهما في بيان التكليف الزائد ، وقد يجوز أن يخلو التكليف الأول من هذا التكليف الزائد ، فمن يحتاج إليه لبيان هذا التكليف الزائد ، يجب أن نستغني عنه إذا لم تحمّل هذا التكليف ، ومتى اعتل القوم أن التكليف العقلي لا ينفك من التكليف