القاضي عبد الجبار الهمذاني

84

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في الفرق بين ما يجوز أن يختلف حاله في الصلاح والفساد من الأفعال وبين ما لا يجوز ذلك فيه اعلم : أن الّذي يستمر من الافعال على حد واحد هو ما يتعلق بأفعال القلوب دون أفعال الجوارح ، وهذا كمعرفة اللّه تعالى ، والمعرفة بوجوب الواجبات العقلية ، على شرط أو غير شرط ، على ما ترتب في العقول . وتوطين النفس على القيام بما يلزم إلى غير ذلك ؛ لأن هذه الأمور لا يجوز أن يكون المكلف عاقلا متمكنا « 1 » ، والموانع زائلة إلا وهي واجبة عليه ، وإنما خرج عن ذلك بسهو يلحق ، أو منع يعرض ، فأما مع التخلية والسلامة فذلك واجب ، ولا يرد التعبد بخلافه ، لأن الوجه الّذي عليه صار لطفا لا يتعلق بوقت ، دون وقت ؛ ولا بمكلف دون مكلف ، فما هذه حاله يجب أن يستمر ، ما دام التكليف قائما ، ولا تتغير حاله البتة ؛ وقد بينا صحة ذلك في باب « النظر والمعارف » ، حيث دللنا على أن معرفة اللّه بتوحيده ، وعدله لطف من فعل المكلف ، وأن أحوال المكلفين لا تختلف في الأوقات ، ولا بالأعيان ، وما اقتضى كون ذلك لطفا أن يفعله عن نظر يقتضي وجوب فعله ، على حد الابتداء ، حالا بعد حال ، إذا « 2 » كانت لا تبقى كما يقتضي وجوبها عليه عند تذكر الاستدلال ، في حال الانتباه من النوم ، وعود العقل ، ولا فرق بين وجوب معرفة اللّه في هذا الوجه ، وبين معرفة سائر ما يكلف عقلا ، مما طريقه الدليل العقلي ، في أن ذلك يجب أن يتمسك به دائما ، وكذلك فلا بدّ من

--> ( 1 ) في « ط » ممكنا . ( 2 ) في « ص » وإذا .