القاضي عبد الجبار الهمذاني

85

المغني في أبواب التوحيد والعدل

أن يوطن نفسه ، إذا كان مكلفا ، على القيام بما كلف ، حتى لا يصح أن يكون ذاكرا ، وشرائط التكليف حاصلة ، إلا ويلزمه هذا العزم ، على حد الجملة ؛ ولذلك قلنا : إن المكلف متى لزمه النظر في معرفة اللّه تعالى ، وأخل بما يلزمه من ذلك ، أن تكليف النظر والمعارف لا يزول عنه ، فيلزمه أن يستأنف النظر الأوّل ، ولا يجرى مجرى ما يلزم ، فإذا أخل به في الوقت الّذي لزمه يخرج من أن يكون واجبا ، مع كونه مكلفا ، وعلى هذا الوجه يجب أن يقال : إنه تعالى يكلف المعارف ، على حسب ما يعلمه من حال المكلف ؛ وإن كان في المعلوم ، أنه لا يبقى إلا أوقاتا مخصوصة ، يمكنه معها استيفاء المعارف واختبار ما كلف ذلك لأجله ، أقل قليل من الأوقات ، فمتى أخل بالنظر الأوّل فلا بدّ من أن يفعل ما يخرج به « 1 » عن كونه مكلفا ، أو أن يعرض من نفس المكلف ما يجرى هذا المجرى ، لأنه متى لم يكن الحال ما ذكرنا أدّى إلى أن يكون بصفة المكلف ، ولا تكون المعرفة عليه واجبة ، ومتى جوّزنا ذلك فيه ثانيا بطل القول بوجوب النظر والمعارف أوّلا ؛ وقد بينا أن تكليف النظر والمعارف يتعلق بالخوف الّذي يثبت « 2 » عند الداعي والخاطر ، فمتى كان هذا الخوف قائما أو في حكم القائم صح وجوب ذلك ، ومتى لم تكن هذه حاله لم يصح وجوبه ؛ فإذا ثبت ذلك في من المعلوم من حاله ما ذكرناه فالواجب أن يقال : إنه لا يرد عليه الخوف من بعد ، ويصير كالذاهل ، عن ذلك الخوف ، والذاهب عنه ، إما بأمر يحدثه ، أو بأمر يفعله اللّه تعالى ، إن كان عقله وسائر وجوه التمكين فيه على ما كان عليه ؛ فأما إذا لم يكن كذلك ، واختل فيه بعض ما ذكرناه فالكلام أوضح ؛ وإنما أعدنا هذا الكلام لأننا لم نذكره على هذا الحد في باب « المعارف » ؛ ولأن الموضع يحتاج فيه إلى بيانه .

--> ( 1 ) ساقطة من « ص » . ( 2 ) في « ص » ثبت .