القاضي عبد الجبار الهمذاني
80
المغني في أبواب التوحيد والعدل
أن يقولوا : إن لبعثة الأنبياء عليهم السلام ابتداء ، وإن التكليف العقلي قد ينفرد ويصح ذلك فيه عن التكليف الشرعي ، فيقال لهم : أليس قبل بعثته كان اعتقاد نبوّته ، والإخبار عنها ، واعتقاد شرائعه والإخبار عنها ، من المحظور ، ثم بعد البعثة صار مثله في الواجبات على من بعث إليه ، ومن المحتسبات على من لم يبعث إليه ، فلا بدّ من نعم . . قيل لهم : فقد صح أن ابتداء ورود الشرع يتضمن صحة ما ذكرناه ؛ فما الّذي يمنع من مثله في الشرائع ، وأن تختلف في الأوقات ، والمكلف واحد ، أو تتغاير ، على ما بيناه ؛ وقد بينا أنه لا يمكن أن يقال : الّذي تناوله الحظر هو الّذي تناوله الوجوب ؛ لأن ذلك يوجب البداء ، فلا بدّ من الإقرار بصحة ما ذكرناه ؛ فإن قالوا : إن ذلك ابتداء شريعة مخالفة لما كان في العقل ، لأن الواجب على ذوى العقول أن يقبح « 1 » منهم الاعتراف بالنبوّة ، والتصديق بها قبل البعث ، وهذا مما لا ننكره ؟ . . قيل له : قد بينا أن الغرض بهذا الفصل ، أن نبين أن اختلاف حكم الفعلين المثلين ، لا يمتنع في القبح والحسن ، والصلاح والفساد ، وقد صح . ذلك بما أوردناه ، فلو صح لكم أن تبينوا أن الشريعة لم ترد بذلك كان لا يطعن فيما قلناه ، من إثبات التجويز في ذلك . وبعد . . فإن اختلاف طرق الأدلة لا يؤثر فيما يصح من هذا الباب ، وإذا كان فيما يدل عليه العقل بانفراده يصح ذلك ، وفيما يدل عليه العقل والشرع جميعا يصح ذلك على ما بيناه ، فيجب أن يصح فيما لا يدل عليه إلا الشرع ، لأن حال الفعل لا يختلف في ذلك ، وإن اختلفت طرق الأدلة . .
--> ( 1 ) كذا في « ص » مع النقط ، ومثله في « ط » مع بعض النقط ؟