القاضي عبد الجبار الهمذاني
81
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : إنا نمنع من ذلك لأمر يرجع إلى الأدلة لا إلى حال الفعل ، لأن عندنا لا يصح أن يكون الأمر المطلق واردا إلا ويتناول أمثال ذلك الفعل أبدا . . قيل له : أليس قد يرد الأمر المطلق فيختص ببعض الأعيان دون بعض ، وكذلك تختلف أحوال المكلفين ، فما الّذي يمنع من ورود الشرع بذلك ، ويخص ببعض أحوال المكلف دون بعض ؛ وإنما كان يمكنه التعلق دليل الشرع لو كان لا يصح أن يرد إلا على الوجه الّذي توهمه ، فأما إذا أمكن وروده على خلافه ، لأن أدلة الشرع أشد اتساعا من أدلة العقل ، فكيف يمكنه القدح فيما ذكرناه . . فإن قال : إن دليل الشرع وإن كان يصح وروده على ما ذكرتم ، فإنه لم يرد إلا على ما قلنا . . قيل له : ليس غرضنا بهذا الباب إلا أن نبين صحة ما ذكرناه ، في الفعل ، وفي الدليل ، ونحن نبين لك من بعد ، فساد ما توهمته في الأدلة الواردة في هذا الباب ، والّذي قدمناه من شبه البراهمة ، وتعلقهم بأن الشرع لا يجوز أن يكون مخالفا لما في العقول ، لأنه مبنى عليها مرتب ، ولأنها أصل له دالة عليه ، فلا يجوز أن يكون مخالفا لها ، إلى غير ذلك ، فما حكيناه أقوى مما يتعلق ؛ اليهود ، في اختلاف الشرائع ؛ لأن أحد الشرعين لا يكون أصلا للآخر ، ولا الآخر مرتبا عليه ، بل هما جميعا مرتبان على العقل ، فإذا فسد ما يتعلقون به ، لما أوردناه من قبل ، فسد بمثله مذهب اليهود ، في هذا الباب ؛ على أنه لا بدّ لهم من الاعتراف ، بما قلناه ، وذلك لأن الشرع لا يدوم ، لأن دوامه يقتضي قبح التكليف ، من حيث كان وجه حسنه التعريض للثواب ، الّذي لا يتم إلا بانقطاع التكليف ، والانتقال إلى حال الثواب ، الّذي يستحق - أو كان يصح أن يستحق -