القاضي عبد الجبار الهمذاني

68

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : فقد يمكنه أن يعلم ذلك ويفعل الإيمان ، وقد يمكنه أن يزيل عن نفسه الدواعي إلى الكفر ، فلذلك حسن الأمر . فإن قال : إنه إذا علم في الفعل أنه مصلحة لم ينه عنه ، تقدم الأمر بذلك أو لم يتقدم ، فما الفائدة في جمعكم بين الأمر والنهى ، وجعلكم ذلك شرطا فيما يدل على البداء ؟ ! : قيل له : إنما يذكر الأمر ليبين أن الفعل على مقتضى أمره بذلك ، ثم يبين أنه إذا نهى عنه فلا بدّ من أن ينكشف له من حال « 1 » الفعل خلاف ذلك ، أو يخفى عليه من حال الفعل خلاف ما عرفه ، وذلك لا يتم إلا بأن يجمع بين الأمر والنهى على ترتيب ، لأنه لو فعلهما معا ، وصح أن يقع ذلك في حال واحدة لكان لا يدل على تغير حال كونه عالما غنيا كان عليه « 2 » ، بل لا يمتنع أن يكون مستمر الحال في كونه عالما غنيا ، أو في أن لا يكون عالما ؛ ولا يقال فيمن هذه حاله إنه بدا له ؛ لأن البداء « 3 » يقتضي تجدّد حال لم تكن ، وذلك يجرى مجرى التغيير ، على ما قدمنا القول فيه ، فأما إذا كان الأمر لواحد ، والنهى لآخر فإنه لا يدل على البداء ، وإن قبح إذا كان الفعل واحدا ، لأن في هذا الوجه يقبح النهى وجها ، سوى تغير حاله وحصول البداء فيه ، وهو علمه بأنه غير مقدور لهذا الثاني ، فكذلك القول فيه لو أمره بالفعل ثم نهاه عنه ، في حال أخرى ، والنهى يقبح ولا يقع ، لكونه غير مقدور ، لا لتغير حال ، إنما يدل النهى بعد الأمر على البداء ، إذا لم يكن هناك وجه يقع لأجله النهى عن نفس ما أمر به إلا جواز البداء ، ولا يكون كذلك

--> ( 1 ) في « ص » خلال . ( 2 ) كذا في « ص » و « ط » ولا يتضح معه السياق ! ( 3 ) في « ص » البكاء .