القاضي عبد الجبار الهمذاني
69
المغني في أبواب التوحيد والعدل
إلا مع الشرائط التي ذكرناها من قبل ؛ وقدمنا في باب « الإرادة » بطلان القول بأن إرادة الشيء بعد أن لم يكن مريدا له ، أو الأمر بعد أن لم يكن آمرا يدل على البداء ، وأبطلنا تعلق المجبرة في كونه تعالى مريدا ، لم يزل بهذا الجنس من الكلام ؛ وفي الّذي أوردناه الآن دلالة على فساد هذا القول . واعلم . . أن الّذي يدل في الحقيقة على البداء هو الكراهة ، بعد الإرادة ، أو الإرادة بعد الكراهة ، وإنما يذكر الأمر والنهى ، لأن بهما تعرفان ، ولو عرفناهما بغيرهما لكانت دلالة البداء قائمة . ولو حصل لفظ الأمر والنهى ، من دون إرادة وكراهة لما دلا على البداء ، على وجه من الوجوه . وإنما قلنا إنه يقبح « 1 » منه تعالى الأمر والنهى لأن ذلك الفعل إما أن يكون حسنا أو قبيحا ، فإن كان حسنا فالنهي عنه يقبح ، وإن كان قبيحا فالأمر به لا يصح ، فلا بد متى تعلقنا بالفعل الواحد ، على الوجه الّذي ذكرناه أن يكون أحدهما قبيحا لا محالة ؛ وعلى هذا الوجه اعتمد مشايخنا أجمع ، وبينوا أنه لا يجوز أن يقع من اللّه تعالى كلا الأمرين ، وإن اختلفوا في فعل يدل على البداء ، وهل يجب نفيه عن اللّه تعالى بدلالته على البداء أم لا ؛ على ما قدمناه من قبل من القول فيه ؛ وإنما قلنا : إن أمره تعالى بالفعل ، ونهيه عنه على وجه ، أو وجهين ، من مكلفين لا يحسن ، لأنه يتضمن تكليف ما لا يطاق ، لأن مقدور أحد القادرين لا يصح أن يكون مقدورا للآخر ؛ وإنما قلنا : إن « 2 » بما يأمر به زيدا لا يحسن أن ينهاه عنه في حال أخرى ، على وجه ، ووجهين ، لمثل هذه العلة ، لأن مقدوره في وقت لا يجوز أن يكون مقدورا له في وقت آخر ، ولو صح كونه مقدورا ، في حالين كان لا يمتنع أن يحسن منه
--> ( 1 ) في « ص » يصح . ( 2 ) في « ص » و « ط » بما ، واضحة ! !