القاضي عبد الجبار الهمذاني

58

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في بيان ما يصح في الفعل الواحد ، والأفعال من التكليف ، وما يمتنع ، وما يتصل بذلك اعلم . . أن الّذي لا يصح من ذلك فعلا هو الّذي يتناقض دليله ولا يصح وجوده « 1 » ، فأما ما ليس هذا حاله فتكليفه يصح فعلا ، وإن كان فيه ما يحسن ، وفيه ما لا يحسن على ما نذكره من بعد . . . فالذي يتناقض من ذلك ويتنافى هو : ما يقتضي كونه مريدا للشئ على وجه ، وكارها له على ذلك الوجه ، وهذا إنما يدخل في الأمر والنهى ، لأنه إنما يكون آمرا بالشيء إذا أراده ، وناهيا عنه إذا كرهه ، فلا يصح منه تعالى ، في حالة واحدة ، أن يأمر بالشيء ، على وجه ، وينهى عنه على ذلك الوجه ؛ ولا يصح منه تعالى ، وحاله واحدة ، أن يأمر بالشيء إذا أراده ، ويكون ناهيا عنه [ إذا كرهه ، فلا يصح منه تعالى « 2 » ] ، على ذلك الوجه ، لإيجابه كونه مريدا ، كارها للفعل ، على وجه واحد ؛ والزجر والترغيب يجرى مجرى الأمر والنهى ، وقد يتناقض أن يكون تعالى مبيحا وحاظرا ، لأن الحظر يتضمن الكراهة ، والإباحة تتضمن معنى الإرادة ، وإن لم يجب في الحقيقة ، فيما أباحه أن يكون مريدا ، لكنه لا فرق بين ان يجب أن لا يكون كارها في أنه ينافي ما يقتضي كونه كارها ، وبين أن يجب أن يكون مريدا ، في منافاته لكونه كارها ، فالحال واحدة ، في التناقض ؛ وكذلك القول في الإباحة والإيجاب ، لأن الحظر يتضمن معنى الكراهة لتركه « 3 » ، والإباحة بالضد من ذلك ، والإيجاب يتضمن

--> ( 1 ) في « ص » : « جوده » . ( 2 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ط » . ( 3 ) كذا في « ص » و « ط » لكن المعنى - فيما يبدو - غير مستقيم ، لأن الحظر يتضمن الكراهة للفعل لا للترك .