القاضي عبد الجبار الهمذاني

43

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : إنما يجب في الإدراك ما قلتم لأنه قد ثبت أن الحي مع سلامة الأحوال لا بدّ من أن يدرك ، ومع زوال اللبس لا بدّ من أن يعلم ، ولم يثبت أنه لا بدّ في البلاد والملوك وغيرهما أن ينقل خبرهم ، وأنه لا بدّ من أن يعلم إذا نقل . . فلا يصح ما ذكرتموه . . قيل له : قد صح في الخبر ما ذكرته لأنه لو كان لا يجب نقل ذلك إذا كان ، ولا يجب أن يعلم ، إذا نقل نقلا ظاهرا لما حصل لنا العلم بأنه ليس ؛ فحصول علمنا بأن لا بلد « 1 » ، ولا ملك ، على الوجه الّذي ذكرناه من أدل الدلالة على وجوب نقله ، لو كان ، ووجوب معرفته لو نقل ، ولولا صحة ذلك لأدّى إلى القول بالجهالات ، وتجويز خلاف ما عقلناه في باب الأخبار ، وتجويز ذلك فيها يؤدّى إلى تجويز مثله في المدركات وقد بينا في باب الرؤية من هذا الكتاب فساد هذا القول . وبعد . . فلو جاز في بعض الأمور الظاهرة كالبلاد والملوك أن تكون ، ولا ينقل خبرها لجاز فيما نعلم كونه من البلاد والملوك أن لا ينقل خبرها إلى جميع الناس ، لأنه إن جاز ترك نقل خبره أصلا ليجوز ترك نقل خبره إلى بعض دون بعض ، وهذا يؤدّى إلى أن يصدق من خبرنا بأنه لا يعرف سائر البلدان والملوك ، وهو في المخالطة كنحن ، وفساد ذلك يبين بطلان ما سأل عنه . ومتى قال : إن من خالط كمخالطتنا فلا بد من أن يسمع ، وليس كذلك إذا لم ينقل أصلا . قيل له : فجوّزوا أن يكون أهل بلد لم ينقل إليهم شيء من الأخبار ، وأن « 2 » فريقا من البلاد التي نحن فيها ، لأنا لا نعلم « 3 » مخالطتهم ، كما نعلم مخالطة

--> ( 1 ) في « ص » و « ط » : لا يد ، والسياق قوى في اقتضاء أن تكون : ولا بلد . ( 2 ) في ط : « أو » . ( 3 ) ساقطة من « ص » .