القاضي عبد الجبار الهمذاني

343

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فأما الإخبار عن الغيوب المذكورة في القرآن فإنها تدل على النبوة ، على ما بيناه ، وإن طعن فيها طاعن بأنه ، صلى اللّه عليه ، جاء بها لمعرفته بالنجوم ، وطريقة الكهنة ، أو السحرة ، ولم يظهر عنه ، صلى اللّه عليه ، تعاطى ذلك ، ومجالسة أهله ، والاختلاف إليهم ، والاختلاط بهم ، فهذا أيضا ، كالمعجز ؛ لأنا قد بينا : أن الّذي خبر به ، مما لا تمكن المعرفة ، بهذه الأمور ، لأنها إنما تؤثر في الإخبار ، عن أمور مخصوصة ، وفي الإصابة على جهة الجملة ، في أمور معروفة ، وإن كان صلى اللّه عليه ، عرف هذه العلوم ، وإن لم يختلط بهم أصلا ، فهو كالمعجز ؛ وإن كان اختلط بهم ، ولم يظهر ، فهو كالمعجز ؛ وإن كان يختص بالنظر في الكتب ، ويعرف ذلك منها ، ولم تظهر حاله ، ولا حال الكتب ؛ فذلك كالمعجز ؛ وإن كان قد خصه اللّه بهذه العلوم ، التي معها أمكنة الإخبار عن الأمور الكائنة ، والمستقبلة فهو معجز ، على ما دللنا عليه ؛ وإن كان قد حصل ذلك منه ، على اتفاق ، فهو أيضا معجزة ؛ لأن العادة لم تجر بمثله ، من دون علم بالأمور التي يخبر عنها على التفضيل ؛ وإن كنا قد بينا : أن ذلك مما لا يصح ؛ وكل هذه الوجوه تبين صحة ما ذكرناه ، من عظم شأن القرآن ، وأنه لا وجه يجعل قدحا فيه إلا وينعكس على المخالفين . ويقتضي أنه لو صح لكان ناقضا للعادات ، إما لصفة ، أو لأمر يتصل به ، فهو في هذا الوجه أظهر حالا في الإعجاز ، من سائر المعجزات ؛ فلذلك صار شأنه أعظم من شأن جميع المعجزات . وقد بينا من قبل : أن لإظهاره تعالى القرآن ، على رسوله ، صلى اللّه عليه ، من الفوائد ما لا يساويه غيره ، من المعجزات ، لأنه لو ظهر عليه ، صلى اللّه عليه ، ما يجرى مجرى قلب العصا حية ، وإحياء الموتى لقد كان يجوز أن تدخل الشبهة