القاضي عبد الجبار الهمذاني
338
المغني في أبواب التوحيد والعدل
والحال هذه ، أن لا تظهر منهم معارضة ، في الحقيقة ، وهي لهم ممكنة ، أو ما يتشبه بالمعارضة ! ؛ ويعدلون مع ذلك إلى أمور لا تأثير لها ، لو بلغوا فيها النهاية ، فيما حاولوه ، وقويت دواعيهم فيه ، ولا مطمع لهم في أنها تطعن في حاله ، صلى اللّه عليه ، في الوجه الّذي يدعيه ! ؛ أفليس في ذلك أعظم الدلالة ، على أن القرآن بهرهم ، حتى علموا ، باضطرار ، ما يختص به من المزية ، وصاروا عند سماعه أولى بمنزلة السحرة ، عند ظهور قلب العصا حية أخيرا ؛ لأنهم إنما اعترفوا لما أعيتهم الحيل ، في بلوغ مثله ، أو ما يقاربه ؛ والعرب ظهر ذلك منها ، في سائر أحواله ، صلى اللّه عليه وسلم ، أوّلا وثانيا ، ولا يجوز ذلك إلا والّذي صدعهم به ، وقرعهم بالعجز عنه ، أمر قد تمكن في النفوس عظم موقعه ، ولم يحتج مع سماعه ، إلى تأمل كبير ، فعلموا عند ذلك أن الحيلة في معارضته تضيق ، وأنه لا وجه يبلغون معه حدّ التشفي إلا ما يجرى مجرى المحاربة ، وإيصال المكروه إليه ، بوجوه الضرر والأذى ، على ما ثبت عنهم ، من ذلك ؛ ولو كان للقوم من حيلة فيه ، وفيمن استجاب له ، فيما يتصل بمعارضة القرآن ، لقد كانوا إلى أن يجتهدوا في إبطال أمره ، وتفريق جمعه ، وتنفير أصحابه عنه ، وإفساد قلوبهم في موالاته ومظاهرته أقرب إلى المراد ؛ يعلم ذلك باضطرار ، كما يعلم أن شرب الماء أقرب إلى مراد العطشان ، من المحاربة والمنازعة ؛ وأن الضياء أقرب إلى الهداية من الظلام ، وأن الكلام أبلغ في إظهار الحجة ، من السكوت ؛ فلا فرق بين من ينسب الفصحاء ، مع تقدّمهم وكمال عقولهم ، إلى ترك المعارضة مع التمكن ، والعدول عنها إلى الأمور التي لا تؤثر ، وبين من نسبها إلى أنها مع التمكن من الكلام تعدل إلى السكوت ، فيمن يتحدّاها بالكلام ؛ أو أنها مع التمكن من الشعر ، والخطب ، ووقوع التحدّى بهما تعدل إلى سائر الصناعات ، التي لا مدخل لها ، فيما وقع عليه