القاضي عبد الجبار الهمذاني
335
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وليس لأحد أن يقول : إن هذه الأخبار تصح على طريق التبخيت ؛ لأنا قد بينا من قبل : أن الّذي صح فيه ذلك اليسير منه ؛ فأما الكثير ، على الوجه الّذي ترتب عليه فمعوز ، إلا مع العلم ، كما أن الفعل المحكم معوز إلا مع العلم ؛ وليس لهم أن يقولوا : جوزوا أن العادة جارية باختصاص كثير من العباد بهذه العلوم ، لكن الأمر فيه يخفى وذلك : لأن ما هذا حاله تدعو الدواعي إلى إظهاره ويظهر الحال فيه « 1 » على الأيام ، فلا يجوز ادعاؤه ؛ على أن العلم بذلك لا طريق له ، فلا يصح إثباته ضروريا ، لأنه لو جاز ذلك لم نأمن من صحة قول من يقول ، في العلوم : إنها ضرورية ، بأن يكون تعالى قد خصه ، أو خص قومه ؛ وأما القول في أن اكتساب هذه العلوم ، لا يصح فبيّن ؛ لأنه لا دليل على ما يأكله الناس ويدخرونه ، ويضمرونه في نفوسهم ؛ فلا بد في هذا العلم إذا حصل ، من أن يكون داخلا في المعجز ، بخروجه عن العادة . فإن قال : فعلى أي سبيل يدل الخبر على النبوّة ؟ قيل له : إذا كان المعلوم ، من حال ما أخبر عنه لأمته أنه قد وقع وحصل ، على وجه لا يعلمه ذلك النبىّ ، فإخباره عنه يدل على النبوّة ؛ وذلك نحو أن يخبر عن كل أحد بما فعله من قبل ، أو بما يضمره في الوقت ، على التفصيل ؛ أو يخبر عن جماعة بما فعلته على التفصيل ، وقد علمت أنه لم يعرف ذلك ؛ وهذا نحو ما كان يخبر به ، صلى اللّه عليه ، عنهم من الأمور التي علموها ، وغاب عنها ؛ ومن ذلك ما كان يخبر به من الأمور الحادثة ، في الوقت : في سراياه ، وغيرها ، فيوجد الأمر كذلك ، إلا أن الّذي يدل منه على النبوّة ، حتى يستقل بنفسه ما قدّمناه ؛
--> ( 1 ) ساقطة : من « ص » .