القاضي عبد الجبار الهمذاني

327

المغني في أبواب التوحيد والعدل

على هذا الوجه ؛ فأما إذا لم يقدر الأمر هذا التقدير فغير ممتنع على بعض الوجوه اجتماع الأمرين ؛ بأن يتركوا المعارضة لمعرفتهم بتعذرها ؛ ولأن سائر الدواعي صرفوا عنها ، فيكون أوكد في باب الانصراف ؛ لأنه قد كان يجوز أن يعلموا تعذر ذلك ، ويأتوا بما يتوهم أنه معارضة ، فلأجل انصرافهم عن سائر الدواعي عدلوا عنها ، من كل وجه . فإن قال : لولا أن الّذي لأجله عدلوا عن المعارضة الصرف الّذي ذكرناه ، كان لا يجب أن يجرى أمرهم على حد واحد ، مع أن فيهم المقدم ، الّذي يعلم باضطرار ، تعذر المعارضة ، وفيهم من لا يعلمها كذلك . قيل له : قد بينا ؛ أن فيهم من جاء بمعارضة ركيكة ؛ ومن لم يأت بها فلأنه علم من حالها ما وصفناه ، أو كان في حكم العارف ، أو تابعا للعارف ، فلذلك اتفقوا على العدول عن المعارضة ؛ وهذا بيّن من حال الجمع العظيم ، لأنهم ينظرون إلى المتقدم منهم في المرتبة ، ويقع من جهتهم التأسي ؛ فلما رأى أتباعهم الأكابر ، ضاق ذرعهم بالقرآن ، وعدلوا عن المعارضة إلى الأمور الشاقة . تبعوهم في هذه الطريقة لعلمهم بأنهم عن ذلك أشد عجزا ؛ فلذلك استمرّت أحوالهم على هذا الوجه ، لا للصرفة التي ظنها السائل . ولولا أنهم علموا أن القرآن في أعلى رتبة من الفصاحة الجامعة لشرف اللفظ ، وحسن المعنى ، حتى بهرهم ذلك ، لقد كان يجوز أن يختلفوا في سائر المعارضة ، فيكون فيهم من يكف ؛ وفيهم من يحاول ، وفيهم من يأتي بما يزداد علمهم ، بعظم شأن القرآن عنده تأكيدا ؛ لكن الأمر في القرآن لما كان على ما ذكرناه عدلوا عن المعارضة ، لظهور حاله ؛ ولولا صحة ذلك ، من هذا الوجه ، لقد كان القول بالصرفة يقوى من حيث لم تجر العادة ، مع التنافس الشديد ، وتباين الهمم ، وامتداد الأوقات ، أن يقع الكف عن الأمر