القاضي عبد الجبار الهمذاني
326
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فأما من لا يعلم تعذر مثل القرآن ، ممن لم يتقدّم في الفصاحة فغير ممتنع أن تكون له دواع إلى المعارضة أوّلا ، حتى إذا تعذر عليه ، وعلم عند ذلك اختصاص القرآن بمزيته ، انصرفت دواعيه . فإن قال : لو كانوا يقدرون على المعارضة ، وانصرفت هممهم ودواعيهم ، أكان « 1 » يكون دلالة النبوّة ؟ قيل له : لو صح ذاك لكان يدل على نبوّته ، صلى اللّه عليه ، لأن العادة لم تجر بانصراف دواعي الجمع العظيم ، عن الأمر الممكن مع التقريع ، والتحدي ، والتنافس الشديد ؛ وكذلك فلو أنه تعالى شغلهم عن تأمل حال المعارضة ، لكان ذلك معجزا ؛ لكنا قدّمنا أن ذلك يوجب قلب الدواعي ، وقلب المعلوم . . وهذا بعيد ؛ لكنه إن صح وتأتّى فلا يمتنع أن يكون دالا على النبوّة ؛ وإنما ينكر كونه دلالة ، لأنه كالمضاد للوجه الّذي بينا به : أن للقرآن دلالة ؛ فإذا صح ما قلنا ، فلا بد من أن يبطل هذا الوجه . فإن قال : جوزوا اجتماع الوجهين جميعا ، لأنه غير منكر أن ينصرفوا عن المعارضة لأمرين : أحدهما : صرفه لدواعيهم . والآخر : علمهم بتعذر المعارضة ، لأنهما لا يتنافيان . قيل له : إنهما وإن لم يتنافيا على هذا الوجه ، فإنهما على الوجه الّذي قدمناه يتنافيان ؛ لأن المخالف يزعم أنهم عدلوا عن المعارضة ، مع إمكانها ، للصرفة التي بينها ؛ ونحن قلنا : عدلوا لتعذرها ، وعلمهم بذلك من حالها ، فلا بد من التنافي ،
--> ( 1 ) في « ص » إن كان .