القاضي عبد الجبار الهمذاني
316
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في وجوه إعجاز القرآن ، وما يصح من ذلك ، وما لا يصح ، وما يتصل بذلك قد بينا ، بالوجوه التي ذكرناها ، في الفصول المتقدمة أنه معجز ، من حيث تعذر على المتقدّمين في الفصاحة معارضته . وقد بينا من قبل : أن ما هذا حاله يجب أن يكون دالا على النبوّة ، كدلالة إحياء الموتى ، وما شاكله ، من حيث علم اختصاص المدعى للرسالة ، على وجه يخرج عن العادة ؛ وإنما كان الغرض لهذه الفصول ، أن نبين ، في القرآن : أنه بصفة المعجزات ، ليدخل في جملة ما دللنا ، من قبل ، على ما يدل على النبوات ، لأنا لا نحتاج في كل واحد من ذلك إلى دليل مستأنف ؛ كما لا نحتاج في دلالة صحة الفعل على أن فاعله قادر ، إلى نظر مستأنف ؛ بل متى علمناه دالا في موضع وجب كونه ذليلا ، في كل موضع ؛ لأن الطريقة واحدة ؛ فكذلك القول في المعجزات ؛ لأن الطريق الّذي له يدل لا يختلف فيها ؛ ولهذه الجملة قلنا لليهود : إذا حصل القرآن مثل صفة قلب العصا حية ، فيجب أن يكون دالا على نبوته ، كدلالة قلب العصا حية ، على نبوة موسى عليه السلام ؛ ودفعنا بذلك ما يذكرون ، من التفرقة بين الأمرين ؛ وأبطلنا تعلقهم عند ذلك بنسخ الشرائع ؛ فلما ثبت ذلك عند علماء المسلمين اختلفوا في الوجه ، الّذي به صار القرآن معجزا بعد اتفاقهم ، على أنه كذلك ؛ لأنه لا يمتنع أن يعلم بالنظر في الدليل أنه دليل ، إذا وقع للناظر العلم بالمدلول ؛ ثم يشتبه الحال ، في الوجه الّذي عليه يدل ؛ ولو منع ذلك من كونه