القاضي عبد الجبار الهمذاني

273

المغني في أبواب التوحيد والعدل

طبقة وأصحاب يتشددون في المطالبة ، ويلتمسون الظفر الراجع على جماعتهم ، بالمعارضة ؛ ومثل هذه الطريقة لا يجوز ، على عاقل واحد ، إذا كان من أهل المعرفة ، فكيف على الجماعة ! وليس كل أمر منعنا وقوعه من الكثير يجوز على العدد القليل ؛ بل فيه ما يساوى الواحد الكثير فيه ؛ وعلى هذا الوجه لا يجوز على العاقل الحازم أن يشوّه بنفسه ، وهذه حاله ؛ فالذي ذكروه من هذا القبيل ، على ما بيناه . وقد ذكر شيخنا « أبو هاشم » : أن المعارضة لو وقعت من القليل كانت لا تلبث أن تنكشف على الأيام إن لم تنكشف في الحال ؛ لأن العادة لم تجر في كتمان مثل ذلك بالاستمرار ؛ ولو جوزنا مثله لم نأمن في زمن كل متقدم في الشعر ، وفي زمن كل عالم مبرز ، أن جماعة شاركوه وساووه ، ومع ذلك انكتم أمرهم البتة ، في سائر الأوقات ؛ والمتعالم من حال أسرار الملوك ، مع تشددهم في كتمها ، أنها قد انكشفت ، على الأوقات ؛ فكيف يجوز في مثل ذلك أن ينكتم أبدا ! فلو عارضت هذه الفرقة القليلة القرآن لوجب أن يظهر آخرا ، على الأيام ، إن لم يظهر أولا ؛ على أن العادة لم تجر بأن « 1 » يتمكن العاقل من فضل باهر يساوى به « 2 » من تقدم كل التقدم ، ويجب كتمانه لبعض الأغراض ؛ وإن أوجب ذلك في وقت لتقية وخوف ، فلا بد من أن يجب نشره من بعد ؛ فلا يجوز فيما حل هذا المحل ، أن لا يظهر في الواحد ، فكيف في الجماعة ! وبهذه الطريقة نفصل بين المتقدمين والفضلاء ، وبين غيرهم ؛ فلو جوزنا ما ذكره لانتقض طريق المعرفة بهذا الفضل ؛ وانتقاضه يثبت بانتقاض التفرقة بين من يصح منه الفعل ، وبين من يتعذر عليه .

--> ( 1 ) في « ص » أن . ( 2 ) ساقطة من « ص » .