القاضي عبد الجبار الهمذاني
243
المغني في أبواب التوحيد والعدل
بذلك ، وينسخ شرائع من تقدم ، وينسخ بعض شرائعه ببعض ، كما تعلم في أمر القبلة وغيرها ؛ وهو مع ذلك مقتصر على الدعوى غير مظهر لدلالة ! . وقد ذهبوا عن مطالبة الدلالة من قبل النظر ، في هذه العبادات والشرائع ، وذهب هو ، صلى اللّه عليه ، عن ادّعاء ذلك ، ليتميز عن غيره ! لئن جاز ذلك ، والعادة في الأمور الخفيفة - فضلا عن عظيمها « 1 » - بخلافه ليدلن بذلك على أنه معجز ، لأن نفس ذلك نقض للعادة ؛ وهو أعظم في ذلك من المعجزات . ثم يقال : وكيف يجوز منه ، صلى اللّه عليه ، أن يذكر لهم - حالا بعد حال - الوحي ، ونزول جبريل عليه السلام ، وأنه لا ينطق عن الهوى ، وإنما هو وحى يوحى ، ولا يكون قد أظهر ما يتميز به من غيره ! . ثم يقال له : وكيف يجوز أن يكون « مسيلمة الكذاب » لم يقتصر على الدعوى ، مع كونه ، حتى أورد شبهة يصورها بصورة الدلالة ، ويكون ذلك معروفا ، ولا تقع المعرفة بتحدى رسول اللّه ، صلى اللّه عليه ، بالقرآن ، وغير ذلك من معجزاته ؛ على أنه قد صح عن طبقة في زمانه أنهم تكلموا في باب القرآن ، حتى قال « الوليد بن المغيرة » : قد سمعت شعر الشعراء ، وخطب الخطباء ، وليس هو منه في شيء ؛ ثم قال : إن هو إلا سحر يؤثر ؛ وقال « أمية بن خلف » : بعد ما ضاق ذرعه : لو شئنا لأتينا بمثله ، ظنا منه بأنه ، صلى اللّه عليه ، تحداهم به من جهة ما فيه من أساطير الأوّلين ، إلى غير ذلك ، مما روى عنهم ؛ وهذا يدل على أنهم كانوا يعلمون ، عظم حال القرآن ، باضطرار ، كما يعلمون تحديه ، صلى اللّه عليه ، به وادعاءه دلالة على نبوته ؛ والأمر في ذلك أظهر وأشهر ، من أن يحتاج فيه إلى الإكثار ؛ وإنما أوردنا هذه الفصول ، لأن بعض اليهود استعمل البهت ، في هذا الباب
--> ( 1 ) في كل من « ص » و « ط » عظمها .