القاضي عبد الجبار الهمذاني

244

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فأنكر التحدي ، وإن كان ربما يريدون بذلك أن التحدي لا يصح به ؛ وهذا قد بيناه من قبل ، كما بينا الآن : أن التحدي قد وقع ؛ على أن الأمر ظاهر ، في أنه ، صلى اللّه عليه ، كان يدعى في القرآن : أنه من جهة اللّه عز وجل وأنه خصه به ، وأنه كان ينتظر نزوله ، حالا بعد حال ؛ وأنه كان يتلو عليهم قوله تعالى : « ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » ؛ وأنه كان يتلو عليهم الآيات الدالة على أنها من عنده ، عز وجل ، في الأمر والنهى ، وغير ذلك . . وهذا القدر كاف في معنى التحدي ؛ لأنه ينبئ عن فائدته ، سيما إذا ضم إلى ذلك ما كان يظهره من أنه يدل على نبوته ، فكيف يصح أن لا يكون متحديا بذلك ، ومعنى التحدي يؤول إلى ما ذكرناه . . على أنه لا فرق بين أن يتحدى ، وبين أن يظهر من قصده ، صلى اللّه عليه ، أنه يدعى النبوة ، ويظهر المزية بذلك ، في أنه كان يجب لو أمكنهم أن يأتوا بمثله ، أن يعارضوه ، ولا يعدلوا للأمور التي تؤثر فيه ، مما تكلفوه ؛ لأن هذه الطريقة واجبة ، فيمن يقع فيه التنافس ، وإن لم يبلغ حد النبوة ، فكيف يجوز أن يعدلوا عنه ! . وبعد . . فلو ثبت أن التحدي الواقع منه ، صلى اللّه عليه ، بالقرآن غير معلوم باضطرار ، لم يخرج من أن يصح أن يستدل به على نبوته ، بأن يتحدى به الآن ، ومن قبل ، على الوجه الّذي أظهره المتكلمون ؛ لأنه لا يخلو : لو لم يتحد به ، صلى اللّه عليه ، من أمرين : إما أن يكون لأنه ليس بمعجز . . أو اعتقد ذلك فيه ؛ ولو كان كذلك لوجب مع الدهر الطويل ، والاختلاف العظيم ، وما أورده المتكلمون من إعجازه ، أن يحصل فيه بعض المساءلة في شيء من الأزمان . وإما أن يقال : إنه لم يتحد به مع علمه بأنه معجز ، فهذا مما لا يجوز عليه ، صلى اللّه عليه ، لأنه أعرف