القاضي عبد الجبار الهمذاني

242

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : أليس في المسلمين من يدعى في القرآن أنه ليس بدلالة ، وأن الّذي يدل على نبوّته سواه ، فكيف يصح ما ادعيتموة من الضرورة ! ؛ وذلك يوجب كونهم جاحدين لما يعلمون ، أو أن يكون ، صلى اللّه عليه ، تحدى بما ليس بدلالة ؛ وذلك لا يصح . قيل له : ليس الأمر كما ذكرته ، لأن جماعة المسلمين يعترفون بما ذكرنا ؛ وإنما اختلفوا في وجه كون القرآن معجزا ، مع اتفاقهم ، في أنه معجز ، وفي أنه ، صلى اللّه عليه ، ادعاه دلالة ، وتحدى به . فإن قال : فقد قال بعض المتكلمين « كعباد » وغيره : إن القرآن ليس بمعجز ، ولا دلالة على نبوته ، فكيف يصح ما ذكرتموه . قيل له : إنه لم ينكر كونه معجزا في المعنى ، وإنما أداه إلى ذلك قوله : إن الأعراض لا تكون دلالة ، ولا المعدوم المقتضى ؛ فقال لأجل ذلك : إنه لا يدل الآن ، وأن في أيامه ، صلى اللّه عليه ، تكون الدلالة جبريل ، الّذي أنزل به ، كما يقول في مجىء الشجرة : إنه ليس بدلالة ، وإن الدلالة هي الشجرة الجائية ؛ وهذا كلام في عبارة ، لا يمنع من أن يكون قائلا ، بما نقوله ، غير دافع له ؛ لأن الضروريات لا يجوز دفعها عن القلب . وبعد . . فلو ثبت ما حكيته كان لا يمتنع حمله ، على أن العدد القليل يجوز فيه « 1 » جحد ما نعرفه باضطرار ؛ فكيف يكون ذلك قادحا فيما أوردناه ! . ثم يقال لهم : أيجوز من جهة العادة أن يدعى النبوة دهرا طويلا ، ويحدد عليهم العبادات ، ويدعى أنها ترد عن اللّه تعالى ، حالا بعد حال ، وأنه تعالى يوحى إليه

--> ( 1 ) في كل من « ص » و « ط » فيها .