القاضي عبد الجبار الهمذاني

241

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وقد دعاهم إلى الدخول في طاعته ، والتزام شريعته أن يسكتوا عن مطالبته ، بما يتميز به منهم ، ومتى لم يظهر ذلك لهم ألزموه ، من النقض ما يجب في مثله ، وأظهروا من حاله ما تدعو النفوس إلى مثله ؛ لأن بدون ذلك يشنع العقلاء ، ويظهرون نقض من يدعى ما لا أصل له ؛ فلا بدّ عند ذلك من أن نقول : إنهم لولا ما أظهره من دلالة ، أو شبهة ادعاها علما له لكثروا من القول ، وأظهروا من التشنيع ؛ ولا يجوز في ذوى العقول خلافه ؛ لأن ذلك يتضمن قلب العادات . قيل لهم : فيجب أن تعلموا بكفهم عن ذلك أنه كان ، صلى اللّه عليه ، يدعى كون القرآن دلالة ، ويتحدّى به . ثم يقال له : كيف يجوز أن تبلغ بهم قوّة الدواعي إلى إبطال أمره ، وتوهين حاله ، مبلغا يحملهم على بذل المهج والأموال ، ومفارقة الأوطان والعشيرة ، إلى غير ذلك ، مما تحملوه ، ويمكنهم بدلا من ذلك ، إفساد حاله ، بأن يقولوا : إنك مقتصر على الدعوى ، التي يمكن مساواتك فيها ، فلا تظهر مزيتك علينا ، ولا يظهر فيها لك فضل ؛ فلما ذا تلزمنا الانقياد لك ، دون أن نلزمك الانقياد لنا ! ومعلوم أنهم لو واقفوه هذه المواقفة لكان ذلك أظهر في إبطال أمره من كل ما يؤمل ؛ فكيف جاز عدو لهم عن ذلك ! وكيف يجوز أن تدعوهم الدواعي ، إلى تكليف المشاق ، لأجل الدعوى فقط . فإن قالوا : إنه قد أظهر أدلة عند نفسه ؛ وإنما أنكرنا أن يكون متحديا بالقرآن . قيل له : لا شيء يذكر مما تحدى به إلا والقرآن أظهر منه ، فلا يصح ما سأل عنه .