القاضي عبد الجبار الهمذاني

233

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وعلى هذا الوجه يصح ما يؤثر ، من أن في الصحف الأولى أجمع ، ذكر القرآن ، ووصف عظم شأنه ، ووصف رسول اللّه ، صلى اللّه عليه ؛ وهذا يدل على ما في تقدّمه من المصلحة ، لغير الملائكة ؛ لكنه تعالى لا بدّ من أن يخلقه ، حتى يصح أن تعرف الأنبياء حاله ، وحال من جعله معدّا لأن يظهره على يده ، ويجعله معجزة له . وليس لأحد أن يقول : كيف يجوز تقدمه على هذا الحد ، وإنما أنزل بلسان العرب ؟ لأنا لا ننكر أنه تعالى أحدثه بعد ظهور هذا اللسان ؛ وإن كان لا يمتنع أن يقال : إنه تعالى جعله باللسان الّذي يعلم أنهم يتواضعون عليه ، أو يوقّفهم عليه ؛ لأن ذلك لا يمنع من أن يكون بلسان العرب ؛ وعلى هذا الوجه تأوّلنا قوله تعالى « وعلم آدم الأسماء كلها » لأن اللغات لم تكن حدثت ، ولم يعلم ذلك من تعريفه أسماء الأجناس في اللغات ؛ فكذلك القول في تقدم القرآن . وعلى هذا الوجه جوزنا منه تعالى تقديم جنّة الخلد ؛ لأنه وإن قصد بها الثواب فغير ممتنع تأخير الإثابة ، من حيث يريد عند حصول المثاب لسائر ما يعطيه الثواب ؛ فكذلك لا يمتنع تقديم القرآن ، على حال كونه معجزا للفائدة ، التي قدّمناها . وليس لأحد أن يقول ؛ إذا لم تجوزوا الاقتصار في نبوّة الرسول على خير من تقدم من الأنبياء ، فيجب أن لا تجوّزوا الاقتصار على القرآن المتقدم ؛ وذلك لأن خبر النبي ، الّذي لا يجوّز أن يكون معجزا ، لا في الحال ، ولا في الثاني ، وذلك يوجب تعرى النبي ، من علم يبينه من غيره ، وليس كذلك حال القرآن . . وقد مثلنا ذلك بخلق حيوان في جبل أنه قد لا يكون علما ؛ فإذا انصدع الجبل وظهر صار علما ، لظهوره وخروجه عن العادة ؛ فكذلك خلق