القاضي عبد الجبار الهمذاني

234

المغني في أبواب التوحيد والعدل

القرآن أولا ليس بعلم ، فإذا نزل به جبريل إلى الرسول ، عليه السلام ، صار علما ؛ وكما لا فرق أن يكون صدع جبل من جهته تعالى ، أو من جهة الملك ، لأنه خارج عن العادة في الوجهين ؛ فكذلك القول في إنزال القرآن ؛ وكل ذلك يبين أن تقدم القرآن مما يؤكد حاله في كونه دلالة ومعجزا ؛ لأنه كما وجب فيه أن يبقى على الدهر ؛ ليكون دلالة للمكلفين أجمع ؛ فكذلك وجب تقدمه ؛ ليكون مصلحة ودلالة للملائكة وغيرهم ؛ ولو لم يتقدم لكان الإعجاز فيه من وجه واحد ؛ وإذا تقدم صار معجزا من جهات على ما بيناه . . وقد دللنا على أن المعجز لا فرق فيه بين أن يتولاه جل وعز ، وبين أن يقع عن أمره فعله ؛ أو عن تمكين غيره ، في أن الجميع إذا كان خارجا عن العادة ، فيجب أن تكون حاله في الدلالة لا يختلف ؛ وقد بطل بما قدمناه قول من يقول : إذا كان القرآن موجودا من قبل ؛ وليس بمعجز فيجب أن يكون إنما صار معجزا لعلة ، فإذا لم يصح ذلك فيه فيجب نفى كونه معجزا ؛ لأنا قد بينا الوجه الّذي عليه يكون معجزا ، وأنه وصوله إلى الرسول ؛ وظهوره من قبله ، عند الدعوى ، على طريق الاختصاص ؛ وهذا معقول فإن شاء السائل أن يجعله لعلة ، هي التي ذكرناها فلا ضير ؛ وإن كان طريقة العلل في الحقيقة لا تصح في ذلك ؛ إذا أريد به الإيجاب ؛ لأن هذا متعلق بالاختيار ؛ وإن شاء أن يقول : إنه لا لعلة ، لكنه للوجه الّذي ذكرناه فهو صحيح أيضا ؛ والمعتبر بالمعاني لا بالعبارات ؛ ويسقط بذلك قولهم : إذا كان مع غير الرسول لم يكن معجزا له ؛ فما أنكرتم من جواز كونه مع الرسول وإن لم يكن معجزا لأنه لا معتبر بكونه معه فقط ، وانما المعتبر بالوجه الّذي ذكرناه ؛ فكونه مع غيره ؛ ولا يظهر الاختصاص فيه ، يفارق كونه معه ، مع ظهور الاختصاص ؛ وكونه مع من لم يجعله دلالة نبوته ،