القاضي عبد الجبار الهمذاني

230

المغني في أبواب التوحيد والعدل

بالعربية ، ويتعذر عليه مثله بالفارسية ، لأنه قد فقد ذلك العلم ، ولو علم ذلك لأمكنه الأمران جميعا ؛ فكذلك القول فيما ذكرناه ، من مراتب الفصاحة ومقاديرها ؛ وعلى هذا الوجه يصح إثبات فصيحين عالمين باللغة ، وأحدهما يتمكن من قول الشعر ، دون الآخر ؛ وذلك لأن العلم الّذي معه يمكن نظم الشعر غير العلم الّذي معه يمكن النثر ؛ فلذلك اختلفا فهما ، وإن اشتركا فيما علماه ؛ فقد تباينا في بعض العلوم ؛ ولذلك قد لا يمكنه أن يقول الشعر ، فإذا عاناه ، واشتغل به ، ووقف على طريقه تمكن من ذلك ، فلا بدّ من فرق بين الحالتين ؛ ولا يمكن ذلك إلا مع العلم الّذي ذكرناه ؛ فكما أن هذه الإشارة إلى هذه العلوم مفصلة لا تمنع مما عرفناه ، فكذلك القول فيما قدّمناه ؛ فأما ما يتعلقون به ، من أن الفصيح يمكنه أن يأتي بلفظة مكان كل لفظة من الكلام الفصيح في الشعر وغيره ، فكيف يصح أن تقولوا : إن ذلك متعذر عليه ، فظاهر السقوط ؛ وذلك لأن هذه الطريقة تقارب الحكاية ، فكما أن حكاية الكلام لا تدل على المعرفة ، فكذلك وضع لفظة بدل أخرى ، ووزنهما واحد ، لا يدل على المعرفة ، وإن كان من يتمكن في هذا الباب لا بدّ من أن يكون له قدر من العلم بالألفاظ ، التي تتفق معانيها ، وتختلف أوزانها ، حتى يمكنه أن يأتي بدل واحدة منها ما يماثلها ويقاربها ؛ لكن هذا القدر من العلم لا يكفى في التصرف المخصوص ، الّذي قدّمنا ذكره ؛ لأنه يحتاج في ذلك إلى قدر مخصوص من العلم زائد على ذلك ، حتى يمكنه أن يورد هذا القدر من الفصاحة وبذلك / أبطلنا قول من يقول : إن المفحم يمكنه قول الشعر ، على هذه الطريقة ، لأن إبدال الكلمات لا يعد تمكينا من الشعر وإن كان الكلام شعرا ؛ حتى إذا صح منه أن يبتدئ ذلك ، ويتصرف فيه عدّ ذلك منه شعرا ؛ وقد قدّمنا ما يمكن معه بيان مقادير الكلام ، التي يحتاج إليها ، في مراتب الفصاحة حيث ذكرنا الوجوه ،