القاضي عبد الجبار الهمذاني

228

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الّذي معه تصح تلك المقادير لا بدّ من أن يختلف ، فيصح في الفصيح أن يحصل بعض ذلك دون بعض ؛ فإذا ثبت ذلك فالذي نريده بما قدّمناه : أن العرب لما لم يحصل لها العلم ، الّذي معه يمكن ما يبلغ مبلغ القرآن ، في قدر الفصاحة تعذر عليها فعل مثله ؛ وذلك لأن العلم الّذي يمكن معه ذلك يصح عنده التصرف في الكلام ، حتى لا يقف على حد واحد ، دون حدّ . . يبين ذلك أن المختص بهذا العلم يمكنه أن يأتي بهذا القدر من الفصاحة إن شاء في وصف حرب ، أو حمالة ، أو معاملة ، أو موعظة ، إلى غير ذلك ، ويمكنه التصرف في سائر الكلام ، والعبارة به ، عن سائر المعاني ؛ فإذا وجد هذا العلم صح كل التصرف ، وإذا عدم تعذر جميعه ، على هذا الحد ، وإن أمكنه التصرف في الكلام الّذي نقص في الفصاحة عن هذه المنزلة ؛ وإذا ثبت ذلك لم يكن لأحد أن يقول : فكيف يمكنهم أن يأتوا بنفس القرآن ، ويتعذر عليهم فعل مثله ، مع علمكم أن القادر على الشيء قادر على أمثاله ؛ لأنا قد بينا : أن فعل مثله على طريق الحكاية لا معتبر به ؛ لأن ذلك يمكن لمكان الحفظ ، الّذي قد يصح فيمن يعرف اللغة ولا يعرفها ؛ وليس كذلك التصرف في مثله ؛ لأنه لا يتأتى إلا من العالم بكيفيته ؛ ومثّلنا ذلك بالنساجة والصياغة ، فإذا ثبت ذلك لم يمنع أن يتعذر عليهم فعل مثله ، في قدر فصاحته ، وإن تأتى منهم حكايته لما ذكرناه الآن ؛ ولا يمتنع أيضا تعذر ذلك عليهم ، وإن تمكنوا من « 1 » فعل ما قصر عنه في الفصاحة ، لما قدّمناه ، من العلة . وليس يجب في العلم ، الّذي معه يمكن ذلك أن لا نثبته ولا نعلم صحته إلا بأن يتبين تفصيله ؛ لأن الجملة في هذا الباب تغنى عن التفصيل « 2 » . يبين ذلك : أن صحة الفعل المحكم ، كالصياغة والكتابة لا شك أنها تتعلق بقدر من العلم نعلمه في الجملة

--> ( 1 ) في « ص » عن . ( 2 ) في « ص » تفصيل .