القاضي عبد الجبار الهمذاني

220

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الّذي به يعلم ظهوره ، وأنه تحدى به يعلم أنه كان يخبر « 1 » بأنه من عند اللّه ، ويقصد إلى ذلك ؛ ولولا هذا الوجه كان لا يمتنع أن يكون الوجه في كونه معجزا ما ذكره السائل ؛ فأما ادعاء السائل أنه ، صلى اللّه عليه ، توفرت دواعيه ، وأتى بمثل القرآن ، وانصرفت دواعيهم عن فعل مثله فلذلك لم يأتوا به ؛ وأن وجه التحدي في ذلك وقوع الصرف فيهم عن مثله ، فبعيد . . . لأنا نعلم ، باضطرار ، توفير دواعيهم إلى إبطال أمره ، والقدح في حاله ، على ما سنبينه ، حتى لم يبق وجه في الدواعي إلا وتوفر فيهم ، فكيف يصح مع ذلك ادعاء ما ذكرته ! فإن قلت : إن دواعيهم ، وإن توفرت ، فإنه تعالى صرفهم عن ذلك بجنس من الدواعي ، فهذا يوجب إثبات ما لا يعقل من الدواعي . وإن قلت : إنه تعالى صرفهم بمنع ، فهو الّذي بينا فساده من قبل ؛ وهذه الجملة تبطل قول من يتعلق في إعجاز القرآن بذكر الصرفة ؛ لأنها إذا كشفت فلا بدّ من أن يراد بها بعض ما بينا فساده ؛ ولا معتبر بالعبارات في هذا الباب ، وإنما المعتبر بالمعاني . فأما من قال : إنه ، صلى اللّه عليه ، إنما تحدى بالقرآن ، من حيث تضمن الإخبار عن الغيوب ، فبعيد . . لأنه قد تحدى بمثل كل سورة ، من غير تخصيص ؛ ولا يتضمن كل ذلك الإخبار عن الغيوب ؛ ولأنا نعلم : أنه تحدى بجملته لا ببعضه ، فكيف يصرف التحدي إلى ما يتضمن ذلك ، دون ما يتضمن الحلال والحرام ؛ ولأنه صلى اللّه عليه ، تحدى بذلك على الطرائق « 2 » المعقولة عندهم ، وفي عادتهم ، وإنما اعتادوا التحدي في الكلام ، على الوجه الّذي ذكرناه . . ونحن سنشرح ذلك من بعد .

--> ( 1 ) في « ص » تحريا . ( 2 ) في « ص » الطريق .