القاضي عبد الجبار الهمذاني

221

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : إذا صح أنه تحداهم به لمزيته ، في الفصاحة والبلاغة فالمسألة قائمة ، لأنا نقول لكم : تحداهم بأن يأتوا بمثل لفظه ، أو بما يخالف لفظه ومعناه . فإن قلتم : تحداهم بمعناه فمن فهم ذلك يمكنه أن يأتي به ، وكذلك إن « 1 » تحداهم بمثل لفظه ، فمن حفظه يمكنه أن يأتي به . فإن قلتم تحداهم بذلك من دون حفظ وجب من ذلك أن لا يكون له أيضا مزية ؛ لأنه ، صلى اللّه عليه ، لو لم يحفظه لما أمكنه أن يأتي به . وإن قلتم : تحداهم بخلاف الأمرين ، فلهم أن يقولوا : إنا قد نأتى بخلافهما في الشعر والخطب ، فلا مزية للقرآن في ذلك . وإن قلتم : تحداهم بمثل نظمه ، فالنظم عندكم ليس بمعنى سواه ، ولو كان معنى سواه لكان يمكنهم أن يأتوا به على طريق الحكاية ، إذا حفظوه ، وأتوا بمثله بأن يجعلوا بدل كل كلمة غيرها . فإن قلتم : تحداهم بالسبق فقد بينتم فساد ذلك . على أن لهم أن يدعوا عليه النبوة ، بسبقهم إلى ما لم يسبق إليه ، من الشعر وغيره ؛ فإذا كان لا يعقل في التحدي إلا هذه الوجوه وقد فسدت ، فمن أين أن التحدي بالقرآن يصح ، وأنه معجز ؟ قيل له : إنما يقع التحدي بالكلام ، في الوجه الّذي عليه يصح التفاضل فيه والمباينة ؛ وقد علمنا : أن أحدا لا يبين من غيره في الكلام بالحكاية ، لأنه يمكن كل أحد أن يحكى كلام غيره ، إذا كان قد سمعه وحفظه ، وهو متمكن من الكلام ؛ فالتحدي بذلك ممتنع في العقول ، لأن الفضل فيه لا يظهر ؛ فكذلك القول في السبق إلى ما يمكن فيه المشاركة ؛ لأن « 2 » بهذه المثابة في الوجه الّذي بيّناه .

--> ( 1 ) ساقطة من « ص » . ( 2 ) كذا في « ص » و « ط » .