القاضي عبد الجبار الهمذاني
219
المغني في أبواب التوحيد والعدل
أو تقول : إن المنع من ذلك مستمر غير متجدد ، وأنهم لم يختصوا ، ولا من تقدمهم « 1 » بهذا القدر من العلم . فإن أردت الوجه الأول فقد كان يجب أن يكون قدر القرآن في الفصاحة قدر ما جرت به العادة من قبل ، وإنما منعوا من مثله في المستقبل ، ولو كان كذلك لم يكن المعجز ، هو القرآن ، لكونه مساويا لكلامهم ، ولتمكنهم من قبل ، من فعل مثله ، في قدر الفصاحة ؛ وإنما كان يكون المعجز ما حدث منهم ، من المنع ، فكان التحدي يجب أن يقع بذلك المنع ، لا بالقرآن ؛ حتى لو لم ينزل اللّه تعالى القرآن ، ولم يظهر أصلا ، وجعل دليل نبوّته امتناع الكلام عليهم ، على الوجه الّذي اعتادوه ، لكان وجه الإعجاز لا يختلف ؛ وهذا مما نعلم بطلانه ، باضطرار ، لأنه ، عليه السلام ، تحدى بالقرآن ، وجعله العمدة في هذا الباب ؛ على أن ذلك لو صح لم يقدح في صحة نبوته ، لأنه كان يكون بمنزلة أن يقول ، صلى اللّه عليه ، دلالة نبوتي أنى أريد المشي « 2 » في جهة فيتأتى لي على العادة ، وتريدون المشي فيتعذر عليكم ؛ فإذا وجد الأمر كذلك دل على نبوته ، لكون هذا المنع على هذا « 3 » الوجه ناقضا للعادة . وإن أراد الوجه التالي مما قدمناه فهو الّذي يعول عليه ، لأنا نجعل للقرآن المزية في الفصاحة ، من حيث يحتاج إلى قدر من العلم لم تجر العادة بمثله أن يفعله تعالى فيهم ؛ لكنا لا نقول : إنه تعالى خصه ، صلى اللّه عليه ، بهذا القدر من العلم ، بفعل القرآن ؛ لا لأن ذلك لو وقع لم يكن معجزا ، لكن لأنه ، عليه السلام ، كان يظهر أنه من جهته تعالى ، كما يظهر التحدي به ، بالطريق
--> ( 1 ) في « ص » نقدهم . ( 2 ) في « ص » المتنبي . ( 3 ) ساقطة من « ص » .