القاضي عبد الجبار الهمذاني

218

المغني في أبواب التوحيد والعدل

عليه ، وفي أن القدر الّذي قد اختص به ، من الفصاحة معتاد ؛ فمن أين لكم مع تجويز ما ذكرناه ، أنه خارج عن العادة ، فيما اختص به من قدر الفصاحة ؛ وإذا لم يتم ذلك ، وعليه يتم التحدي ، فيجب أن لا يصح كونه معجزا ! قيل له : إن الّذي ذكرته لو صح لأيّد ما قلناه في التحدي . لأنه يؤذن بأنه يصح من وجوه سوى الّذي ادعيناه ؛ وإنما يصح هذا السؤال بين من يعترف بإعجاز القرآن إذا اختلفوا في الوجه الّذي صار معجزا ؛ وغرضنا في هذا الباب الكلام على المخالفين ، الذين يظنون أن التحدي لا يصح به ، على وجه ؛ لكنا مع ذلك نبين فساد ما أوردته . . . وقد علمنا أن المنع من الكلام لا يكون إلا بما يجرى مجرى المنافى له ، وليس في المقدور ما ينافي جملة الكلام على الحقيقة ، حتى يمانعه من غير واسطة ، كما تقوله في الإرادة والكراهة ، وإن كان لا يمتنع في بعضه أن يعتاد بعضا ، على ما ذكره شيوخنا ، في هذا الباب ؛ وإنما يقع المنع من الكلام بأمر يختص محله وآلته ؛ ولا يكون ذلك إلا بما يضادّ القدرة ، أو يغير حال الآلة ، والبنية ؛ وما هذا حاله يؤثر في صحة الكلام أصلا ؛ وقد علمنا أن من كان في زمانه ؛ صلى اللّه عليه ؛ من الفصحاء لم يتعذر الكلام عليهم فلا يصح أن يقال : إنهم اختصوا بمنع ، وبان هو ، عليه السلام ، منهم بالتخلية . فإن قال : امتنع عليهم ذلك ؛ بأن أعدمهم اللّه تعالى العلوم ؛ التي معها يمكن الكلام الفصيح ، فصار ذلك ممتنعا عليهم ، لفقد العلم ؛ لا للوجوه التي ذكرتموها . قيل له : لست تخلو فيما ادعيت من وجهين : إما أن تقول : قد كان ذلك القدر من « 1 » العلم حاصلا من قبل ، معتادا ، فمنعوا منه عند ظهور القرآن .

--> ( 1 ) في « ص » القدر والعلم .