القاضي عبد الجبار الهمذاني

217

المغني في أبواب التوحيد والعدل

لما جرت به العادة ، فإذا بطل ذلك من حيث لا فرق بين المعتاد من الأمور ، وبين ما يتمكن الناس من فعله ، على حد العادة ، لأن كلا الوجهين سواء ، في أن التساوي والاشتراك فيه يمكن ؛ وإنما يدل على النبوة ما يخرج عن طريق العادة ، في الوقوع والتمكن ؛ فكيف يصح اعتبار السبق في هذا الباب ! ومتى قال السائل : إني أعتبر السبق إذا كان خارجا عن العادة ، ولم تمكن فيه المساواة ، فقد عاد إلى ما ذكرناه ، وأخرج السبق من أن يكون له تأثير فلا فرق إذن بين أن تكون له مزية غير معتادة في الفصاحة ، والنظم واحد ، وبين أن يكون النظم مختلفا ، في أن الحكم لا يختلف . . ولهذه الجملة جوزنا أن يقع السبق ، إلى الصناعات ، وما جرى مجراها ، وأن لا يكون ذلك معجزا ، لتمكن الغير من المشاركة ، حتى لا يفضل السابق المسبوق ، بل ربما يزيد السابق على المسبوق ؛ وما هذا حاله لا يصح أن يكون إلا في حكم المعتاد ، لكنه لم يظهر ؛ ولا فرق بين ما يظهر منه وما يصح ظهوره ؛ ولو كان السبق يؤثر في ذلك لوجب إذا تمكن أحدنا من ابتداء لغة أن يكون ذلك معجزا ؛ فلما لم يجز ذلك ، لصحة المشاركة ، فكذلك القول فيما عداه ؛ وليس لأحد أن يقول : إذا كان السبق إلى الشيء مما لم يتقدّم وقوع مثله ، فيجب أن يكون معجزا ؛ لأن المعتبر هو بما يخرج عن العادة ، ولا يمكن لأهل تلك العادة فيه المساواة والمشاركة ؛ ولو أن ذلك كذلك لوجب في ابتداء العادات أن يكون من باب الإعجاز ، حتى لا ينفصل حاله من حال انتقاض العادة . . وقد بينا فساد ذلك من قبل . . فإن قال : هلا قلتم ، إن التحدي بالقرآن يصح لأمر يرجع إلى التخلية والدواعي ، فكأنه يتحداهم بأن يأتوا بمثله ، فيمتنع عليهم ذلك لحصول منع فيهم ، أو لورود بعض الصوارف عليهم ، مما يختص القلب ، أو اللسان ، فعند ذلك يظهر أنه معجز ، وإن كان الحال للقوم كحاله ، في التمكن من ذلك ، والقدرة