القاضي عبد الجبار الهمذاني
216
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ذلك يبطل قول من يقول : كيف يصح منه ، صلى اللّه عليه ، أن يتحدّى بالقرآن ، ولم يثبت أنه من قبله تعالى ! وإنما يصح التحدّى بهذا الشرط ، كما لا يصح إلا بأن تكون له مراتب في الوقوع ؛ فكما لو لم يكن هذا حاله لم يصح التحدي ، فكذلك إذ لم يثبت وقوعه من جهته ، صلى اللّه عليه ، فيجب أن لا يصح التحدّى ، لأن الّذي بيناه يسقط ذلك ألا ترى ، أن على الأحوال كلها يحصل له من المزية والاختصاص ما يبين به من غيره ، على وجه يخرج عن العادة ؛ فيجب أن لا تختلف صحة التحدي به ، إذا كانت الحال ما وصفنا ، وإن اختلفت الوجوه التي لها يصح ظهور المعجز ، على ما تقدّم ذكره . فان قال : هلا صح التحدي بالقرآن ، من حيث اختص بنظم لم تجر العادة بمثله ؛ لأن الّذي كان يعتاده القوم الشعر ، وما يجرى مجراه ، والخطب ، وما شاكلها من الكلام المنثور ، فجاءهم بطريقة في البيان خارجة عما اعتادوه ؟ . قيل له : إنما الغرض أن نبين وجها ، يصح التحدي عليه بالقرآن ، والتقريع بالعجز عنه ؛ والّذي قدّمناه قد صح ؛ فان ثبت ما ذكرته لم يؤثر فيما ذكرناه ، بل يؤكده ؛ لأنه يزيد « 1 » في الوجه الّذي عليه يصح التحدي ؛ وكلما كانت وجوه صحته أكثر فهو أبين فيما أردناه ؛ لكنا نعلم أن الأمر بخلاف ما ذكرته ؛ لأن من سبق إلى الشعر أولا لا يجب أن يكون الّذي أتى به داخلا في الإعجاز ، وإن كان قد اختص بنظم غير معتاد ، لما كان المتعالم من حال الغير أنه يساويه في ذلك ، فلم يكن بالسبق اعتبار ، دون أن ينضاف إليه ما ذكرناه ، من تعذر مثله على غيره ، وخروجه من المعتاد ؛ ولو كان السبق إلى الشعر من باب الإعجاز لكان كل وزن منه ، وكل بحر يقتضي الإعجاز ، ولصح ادعاء الإعجاز ، في كل زمان بابتداع وزن مخالف
--> ( 1 ) في « ص » لا يزيد ، وليس ملائما للسياق ؟