القاضي عبد الجبار الهمذاني

215

المغني في أبواب التوحيد والعدل

بمثله ، وبين ما يكون له رتبة زائدة ، في بعض صفاته المعقولة ، على ما جرت العادة بمثله . . وقد بينا : أن الفصاحة في الكلام معقولة ، وأنها تتفاضل ، ويكون لها رتب ، ولا تمتنع الزيادة فيها ، وأن يكون ذلك الزائد خارجا عن طرق العادة ، كالأفعال العظيمة . . يبين ذلك أن أحدنا قد يفعل بعض الأفعال بآلة ، ويصير وقوعه بلا آلة خارجا عن العادة ، وقدر الفعل لا يختلف ؛ ولهذا الوجه صار فلق البحر معجزا ؛ لأنه تفريق بلا آلة ، ومثله لا يقع منا إلا بآلة . . وقد بينا : أنه لا فرق ، فيما حل هذا المحل بين أن تنتقض العادة بنفس الفعل ، أو بتغير حال الفاعل ، بأن تكون العادة جارية في الفاعل ، أنه لا يمكن إلا من فعل معتاد ، فإذا أمكن من خلافه كان معجزا ، إما بزيادة أقدار ، أو برفع موانع ، أو بزوال إلجاء ، أو بتغيير دواع ؛ ولذلك قلنا : إنه إذا جعل تعالى نزول الملك معجزا ، فهو بمنزلة إحياء الموتى ؛ وكذلك فلو مكن الملائكة من فعل ما يخرج عن العادة بيننا لكان معجزا . . وبينا : أنه لا فرق بين أن يقال : إن القرآن من قبله تعالى ، أو من قبل الرسول ، أو من قبل الملك ، في أن وجه الإعجاز يحصل فيه . . وبينا : أنه لا فرق بين أن يكون حادثا ، وبين أن يكون في حكم الباقي ، وقد قصد بإحداثه من قبل وجه الإعجاز ، في أنه دال على النبوّة ؛ كما لا فرق بين ظهور الباقي مما يخرج عن العادة ، وبين حدوثه ؛ فلو أنه تعالى خلق معجزا في خلال الجبال ، ثم أظهره عند ادعاء الرسالة لكان معجزا ؛ وعلى هذا الوجه صار خروج الناقة من الجبل من المعجزات ؛ وقد بينا من قبل أن المعتبر في ذلك أن يكون الظاهر على الرسول عند ادعائه مفارقا لما جرت العادة به ، من غير أن تعتبر وجوه وقوعه ، وكيفية الحال فيه ؛ فمتى علم كذلك صار دالا على النبوّة ، ويصير ما ليس بحادث في حكم الحادث ، وما يجوز أن يكون من جهة غير اللّه تعالى ، في حكم الواقع من قبله تعالى ؛ وكل