القاضي عبد الجبار الهمذاني

214

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في بيان صحة التحدّى بالكلام الفصيح اعلم . . أن الّذي قدّمناه من الأبواب يبين أن للكلام الفصيح مراتب ونهايات ؛ وأن جملة الكلمات وإن كانت محصورة ، فتأليفها « 1 » يقع على طرائق مختلفة من الوجوه التي بيناها ، فتختلف لذلك مراتبه في الفصاحة ؛ فيجب أن لا يمتنع أن يقع فيه التفاضل ، وتبين بعض مراتبه من بعض ، ويزيد عليه قدرا يسيرا أو كبيرا ؛ وما هذا حاله فالتحدّى صحيح فيه ؛ لأن فيه مقادير معتادة تصح فيها زيادات في الرتب غير معتادة ؛ وصار ذلك في بابه بمنزلة مقادير ما يمكن القادر منا أن يفعله ، أنها مقادير معتادة تصح فيها زيادات في مراتب غير معتادة ؛ فكما صح فيما حل هذا المحل التحدّى ، فكذلك القول فيما ذكرناه في الكلام . وقد بينا في باب مفرد : أن العجز لا يجب أن يكون موقوفا على ما لا يقدّر العباد على مثله ؛ وبينا أنه لا فرق بين الخارج عن العادة في وجه مخصوص ، وإن كان من جنس ما يقدر العباد عليه ، كحمل الجبال ، وقلب الدور ، وطمر « 2 » البحار ، والسباحة في الهواء بلا جناح ، ووقف الثقيل في الهواء ، إلى غير ذلك ؛ وبين إحياء الموتى ، وقلب العصا حية . وبينا أنه لو قيل : إن هذا أدخل في الإعجاز من جنس ما يتعاطاه البشر ، فيعرفون المتعذر فيه ، بأكشف مما يعرفون حال ما لا يقدرون على جنسه ، لكان أقرب في هذا الباب ؛ ولا فرق بين ماله مقدار زائد على ما جرت به « 3 » العادة

--> ( 1 ) في « ص » وتأليفها . ( 2 ) مرسومة بوضوح طعر في « ص » و « ط » . بلا نقط ولعل أقرب ما يناسب المعنى « طمر » . ( 3 ) ثابتة في الأصلين ؛ ولا تظهر الحاجة إليها .