القاضي عبد الجبار الهمذاني
210
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في أن العلوم التي معها يصح الكلام الفصيح لا تكون إلا ضرورية اعلم . . أن هذه العلوم تجرى مجرى العلم بالصناعات ؛ فإذا كان ذلك لا يكون إلا ضروريا ؛ فكذلك القول في هذه العلوم . فإن قال : إني أخالف في الكل ؛ وأجوّز أنها مكتسبة . قيل له : قد علمنا من حالها أنها جارية مجرى العلم بالمدركات ، وكيفيتها ، والعادات ؛ وكل ذلك من باب الضروريات ؛ لأن المجتمع منه هو المنفرد ؛ فإذا كان منفرده لا يكون إلا ضروريا فكذلك القول في المجتمع منه ؛ وإنما يعرف أحدنا الحروف بالإدراك ، والكلمة مؤتلفة من الحروف ، فالعلم بها هو العلم بالحروف ؛ وكذلك القول في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض ؛ فكل ذلك من باب الإدراك ، وكيفيته ؛ فكما أن العلم بالجواهر ، والفرق بين المؤلف منها ، وغير المؤلف ؛ والتفرقة بين أشكال المؤلفات ضروري ؛ فكذلك القول في الكلام . فإن قال : إن التأليف إذا كان يعلم باستدلال فكيف يصح ما ذكرتموه ؟ قيل : إن الغرض بما ذكرناه ، أن العلم بالتفرقة بين المربع والمدوّر ، والكبير والصغير ضروري ؛ وإن كان ما لأجله صار كذلك ، طريقه الاستدلال ، والكلام فليس يصح فيه التأليف لأنه عرض لا تحله الأعراض وإنما يوصف بالتأليف والتركيب ، على حدّ الاتساع ، من حيث يتواتر حدوثه على وجوه ، فيختلف لذلك الأسماع ؛ ويصير بمنزلة المختلف من الأشكال ؛ والقول في أن العلم به لا يكون