القاضي عبد الجبار الهمذاني

205

المغني في أبواب التوحيد والعدل

كان ، صلى اللّه عليه ، ربما اقتصر فيمن يرد عليه من الوفود ، على أن يقرأ عليه شيئا من القرآن ؛ وربما كان يحتاج إلى إظهار معجز غيره ؛ وربما يكرر قراءة القرآن عليهم ؛ وذلك لأنهم ، أو أكثرهم ، وإن كانوا بالإدراك والسماع يعرفون بالمزية ، فقد كان فيهم من سبق إلى الشبهة ؛ كما أن فيهم من يقصر في المعرفة عن غيره ؛ وفيهم المعاند ؛ فبحسب ذلك قد كان ، صلى اللّه عليه ، يحتاج في كل منهم إلى ما هو أخص به ، وفيه أوقع ؛ وعلى هذا الوجه رتب تعالى المعجزات ، فجعل المعجز الّذي أظهره على موسى ، مما الأغلب وضوحه لأهل زمانه ، وانكشافه لهم ؛ فقد كانوا يتعاطون السحر ، فلما ورد عليهم ما ورد ، من انقلاب العصا حية آمنوا ، لظهور الأمر ؛ وكان اعترافهم وإيمانهم مقوّيا لدواعي غيرهم ، إلى البصيرة وشدّة التأمل ، لأن من حق التابع أن يكون مقتديا بالمتبوع تقليدا ، أو سالكا سبيله بالتأمل ؛ وكذلك فعل تعالى فيما أظهره على عيسى ؛ مما بهر عقول الأطباء في زمنه ؛ وفيما خص به آدم ، صلى اللّه عليه ، من تعريف الأسماء ، إلى غير ذلك ؛ ووجه الحكمة في ذلك ظاهر ؛ لأنه لو أظهر على كل أحد منهم في زمانه ما يخرج عن طريقة القوم لكثرت الشبه ، وقل التصديق ؛ وإذا ظهر ما لا يخرج عن طريقتهم قويت البصائر ، وانكشف وجه التعذر ، فيكثر التصديق وتقل الشبه ؛ وعلى هذا الوجه أجرى تعالى عادة الرسول ، صلى اللّه عليه ، في أن خصه بالقرآن ، الّذي هو مشاكل لصناعتهم وطريقتهم ؛ غير خارج عن الأمر الّذي يشتدّ به اهتمامهم ؛ ويقوى له افتخارهم ، وتظهر فضائلهم ومحاسنهم ؛ لكي تقل الشبه للعارف المقدّم ، فيعرف اضطرار المباينة ؛ والأتباع فيعرفون بعجز الرؤساء منهم ، مع توفر الدواعي ، مثل ما يعرفه ذوو البصيرة منهم ، وتقوى دواعيهم إلى النظر ، حالا بعد حال ، من حيث لا يغيب عن الأسماع ، على طول الدهر ، ولدخوله في جملة الباب ،