القاضي عبد الجبار الهمذاني

179

المغني في أبواب التوحيد والعدل

في صحة الدلالة ، لأن كل واحد منها لو ثبت لكان يصح أن يدل بوقوعه عليه ؛ فتجويزه لا يؤثر ؛ كما لو علمنا أن قيام زيد يحدث على طريقة واحدة بحسب بعض أحواله لدل ، وإن لم تغير الحال ، التي يحدث بحسبها ؛ فكذلك القول فيما ذكرناه . . يبين ذلك أنه لا فرق بين أن يحدثه تعالى في السماء ، ويأمر جبريل بتحمله ، عند بعثته الرسول ، عليه السلام ، وإنزاله إليه ، وبين أن يحدثه في الحال ، ويأمره بالإنزال ، وبين أن يأمره بالإنزال ثم يحدثه ، في أن على الوجوه كلها اختصاصه بنقض العادة ، في الوجه الّذي تنقض عليه لا يتغير ؛ فلذلك سوّينا بين الجميع ؛ فإذا كان تعالى يعلم أن في تقديم إحداثه ضربا من المصلحة ، فالواجب أن يقدّم إحداثه لكي تحصل المصلحة به ؛ وهذا كما قلنا في تقديم الأمر والتكليف : إنه يجب ، إذا حصل فيه زيادة مصلحة على كونه دلالة للمكلف . فإن قال : إذا جوّز في القرآن أن يكون منقولا إليه على هذا الوجه عند استدلاله ، فيجب أن يجوّز أيضا أن يكون ظهر على بعض الناس ، أو بعض من يعصى ويستفسد ، ثم نقله هو إلى نفسه ، أو نقله غيره ، فلا يصح أن يستدل به على النبوّة ، لأنكم قد ذكرتم أنه إنما يدل على النبوّة ، إذا كان حادثا من قبله ، أو من قبل الرسول ، بأن يصدر عن علوم ناقضة للعادة يحدثها [ اللّه تعالى « 1 » ] فيه ، صلى اللّه عليه ، أو بأن يكون واقعا من ملائكة ، قد علم من عادتهم أنهم لا يفعلون ما هو استفساد ، فإذا كان ذلك متيقنا فيما ذكرناه ، فيجب إذا جوّزه أن لا يصح أن نستدل به على النبوّة .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » .