القاضي عبد الجبار الهمذاني
172
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قبل مدركا له ، فعلمه وإدراكه كالمتجدّد دون نفس الجسم ، فلا فرق بينه وبين من يدرك الأجسام ، بأن يرد عليها ، ولم يكن مدركا لها من قبل ، في أنه يتعذر الاستدلال به ، وليس كذلك حال للقرآن ، وما شاكله ، لا يلتبس عليه عند ظهوره ، على من يدّعى النبوّة ، وإنما يلتبس عليه وجه حدوثه ، فيجوز أن يكون حادثا على حدّ الاحتذاء ، ويجوز أن يكون على حدّ الابتداء ، بعد معرفته بحدوثه ، فحاله في ذلك كحال من التبس عليه في إحياء الموتى أنه في الوقت عن عدم ، أو عن انتقال ، في أنه قد علم فيه طريقه في التجدّد ، وإنما التبس عليه أمر آخر ، فيجب أن لا يكون قادحا ، في دلالته على صحة النبوّة ، لأنه قد عرف عنده ، وإن كان هذا اللبس قائما مثل ما يعلم به ، إذا زال اللبس من مفارقة حاله لحال ما جرت به العادة بمثله ؛ فيجب أن تكون دلالته لا تتغير . فإن قال : إنه في إحياء الموتى مجوّز لأمر لا أصل له ؛ لأن الحياة لا يجوز الانتقال عليها ، وفي القرآن مجوّز ، « 1 » ما له أصل ، لأن عندكم أنه قد حدث من قبل في السماء ، ثم ظهر على الحدّ الّذي ظهر عليه . قيل له : إنما أردنا بالتسوية بينهما أن نبين أن هذا التجويز لا يقدح في الاستدلال ، وإن كان المجوّز قد يختلف حاله ، فأحدهما له حقيقة دون الآخر ، ولو كان تجويز حاله حقيقة يقدح في الاستدلال لكان تجويز ما لا حقيقة له يقدح في ذلك ؛ فقد تم لنا المراد ، وإن افترق الحالان في الوجه الّذي سألت عنه . ومما يبين صحة ذلك : أن كل تجويز في الدلالة لو كان معلوما ثابتا كان لا يخرج الدلالة من صحة الاستدلال بها ، فيحب أن لا يكون قادحا ، في صحة
--> ( 1 ) في « ص » فما .