القاضي عبد الجبار الهمذاني

173

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الاستدلال ولا مؤثرا ؛ وقد علمنا أن القرآن إذا علم حدوثه من قبل ، ثم ظهر على الرسول ، على هذا الحدّ ، فذلك لا يؤثر في صحة الاستدلال به ، لأنه خارج عن العادة في الحالين ، ولأن تجويز ذلك فيه بمنزلة تجويزنا كونه ، من فعل النبىّ صلى اللّه عليه ، أو من فعله تعالى ، فكما أن ذلك لم يؤثر في دلالته ، وإن كان في أحد الحالين الدال هو نفسه ، « 1 » في الحالة الأخرى العلم الّذي معه يمكن أن يؤتى بمثله ؛ فكذلك القول فيه إذا حدث ابتداء أو ظهر ؛ لأنه في أحد « 2 » الحالتين يدل بحدوثه ابتداء ، وفي الحالة الأخرى يدل بظهوره على جهة الانتقال ، من ملك أو غيره ؛ وكلا الوجهين يتضمن نقض العادة ؛ ولهذه الجملة قلنا : إن مجوّزا لو جوّز أن يكون في المقدور قدر يفعل بها اللون ، والطعم ، ثم ظهر ذلك من بعض الأنبياء ، على وجه ناقض للعادة ، لدل عنده على نبوّته ، ولم يؤثر في ذلك تجويزه ؛ وعلى هذا الوجه قلنا : إن من قال في الجسم : إنه يجتمع ويفترق لعدم معنى لم يكن طعنه مخرجا للدلالة عن الصحة ؛ لأنه لو ثبت ما قاله لدل أيضا على حدوث الأجسام ؛ فكذلك لو صح عند المستدل بالقرآن أنه قد تقدّم حدوثه ، وأن بعض الملائكة نقله لم يؤثر ذلك في صحة دلالته ، لأن العادة لم تجر بظهوره على هذا الحدّ لما لم يجز حدوثه ابتداء على هذا الحدّ . فإن قال : إن المفكر إذا جوّز ذلك ولم يتقدّم منه أن الملائكة لا تعصى ، جوّز أنها نقلت إلى الرسول ، عليه السلام ، على وجه لا يدل على النبوّة ، بل إرادة للمفسدة ؛ لأنه يجوز أن يكون من فعل الملائكة ؛ وأن عادتهم جارية بهذا الحدّ ، من الفصاحة ، وإن كانوا يعصون ، ويجوز منهم الاستفساد ، فكيف يصح مع هذا التجويز أن يقولوا إن الاستدلال به يصح . .

--> ( 1 ) لعل الأشبه « ووفى » . ( 2 ) كذا في « ص » و « ط » ؛