القاضي عبد الجبار الهمذاني
165
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وجعل شريعته مؤبدة ، لأن غيره من المعجزات كان يجوز أن يدرس على الأوقات ، ويضعف النقل فيه ، وذلك لا يتأتى في القرآن ، وقد نصب النصبة التي ذكرناها لأنه من حيث تضمن التنبيه على أدلة العقل والتوحيد ، والأدلة على الحلال والحرام وعظم بتلاوته الثواب ، ومست الحاجة إليه لصحة العبادات ، قويت الدواعي إلى حفظه ، فإن انضاف إلى ذلك الحاجة إليه ، في سائر العلوم ، وبالتأدب بآدابه ، فيما يتصل بالعاجلة والآجلة ، فهو أقوى مع الّذي تحصل فيه ، من التنافس والتفاخر ، ولمثل هذه الطريقة لم يجوز في زمن النبي صلى اللّه عليه ، والإسلام مع قلة العدد أغض ، والرغبات فيما يتصل بالدين أقوى ، ومشاهدة الرسول مع الترغيب والتحذير ممكنة ، أن لا يقع منهم الاحتياط على القرآن ، في حفظه ، وحصره ؛ ولهذا الوجه ذكر عن « أبى بكر » يوم « اليمامة » وقد قتل جمع من القراء ، أنه اشتد شغل قلبه ، حتى تقدّم إلى « عمر » ، و « زيد بن ثابت » ، بجمع القرآن . وقد كانوا قبل ذلك يعوّلون على الحفظ ، دون الكتابة ، وإن كان فيهم من يكتب ، ممن يضعف حفظه ، وأحب أن يدوّن ذلك ليكون أبعد من الآفات ، ثم قواه « عمر » و « عثمان » في زمانهما ؛ على الحد الّذي رويناه ؛ وقد قيل : إن العلة التي لها لم يدون في أيام الرسول ، صلى اللّه عليه ، أنه خاف أن يتكل الناس ، على ذلك الجمع ، وتضعف لأجله الرغبات في الحفظ ، فأحب ، صلى اللّه عليه ، أن يتناول حفظا ؛ ولذلك قيل : إنهم كانوا يحفظون ، ويفقهون معانيه ، حتى كان الواحد منهم إذا حفظ بعض القرآن يعدّ في الفقهاء ؛ وقيل أيضا : إنه إنما لم يتقدم بجمعه ، لأن في أيامه كان ينتظر فيه الوحي ، والزيادة ، والنقصان ، وقد كانت تنزل آيات فتضم إلى « 1 » مواضع من السور ، فأحب ، صلى اللّه عليه ، أن يتكامل ، على وجه يستقر العلم
--> ( 1 ) ساقطة من « ص » .