القاضي عبد الجبار الهمذاني
156
المغني في أبواب التوحيد والعدل
يعلم أن كلا الطريقين فيه لو ثبت لم يقدح في كونه معجزا ، فهو غير مؤثر ، فيما نريد تثبيته ، وإنما يؤثر في ذلك متى كان قادحا في هذا الباب ، وليس يثبت عن « الإمامية » في ذلك إلا ما ذكرناه ؛ فأما إن حكى عن بعضهم أنه : يمنع من ثبوت بعض القرآن ، على ما ندعى الاضطرار فيه ، فيجب أن يكون القائل بذلك مكابرا دافعا لما نعلمه باضطرار ، أو يكون المتمسك بهذه الطريقة ماجنا خليعا ، أو ملحدا يتستر بما يظهر من مذهب « الإمامية » ؛ وقد كان فيهم من هو ظاهر بهذه الطريقة ، وهو الّذي أبدع مثل هذه الطريقة والمقالة . فأما أصحاب الحديث فإنهم يعترفون بأنهم يعلمون صحة القرآن ، لكنهم بجهلهم ظنوا أن طريق معرفته الآحاد ، وجوّزوا فيه الاختلاف ، فذلك جهل منهم ؛ بطريق المعرفة ؛ لأنهم غير عارفين بذلك ؛ وقد ثبت أن كثيرا من الناس يزعم فيما يعلمه بعقله أنه معلوم بالسمع ، وفيما يعلمه باضطرار أنه معلوم باكتساب ؛ وعلى هذا الوجه وقع الاختلاف ، في أن العلم بالفرق بين الحسن والقبيح يحصل بالأمر والنهى ، أو على سبيل الاضطرار ؛ ولا يمتنع في العلم بالشيء اضطرارا أن يجهل طريق علمه ، وأن يقع الاختلاف بين العقلاء في ذلك ، فظن الجهال من الحشو وغيرهم أن القرآن ، وإن كان معلوما فطريق معرفته جمع الناس في أيام عثمان ، على قراءة زيد ، وعلى المدوّن في المصحف المشهور وجوّزوا فيه الاختلاف ؛ وقد بينا أن الاختلاف قد يصح أن يقع في نفس العلم ، حتى تجوز السوفسطائية أن يكون ظنا ، ولا يمنع ذلك من كونهم عالمين باضطرار ، بما يعرف بالمشاهدات وغيرها ، فبأن يصح أن يقع الخلاف في طرق العلوم ، التي هي الأخبار والأدلة ، لمن يتفق في المعرفة ، أجدر ؛ وذلك لا يقدح فيما نقوله : من أن القرآن منقول بالتواتر . . يبين ذلك من حالهم : أنهم يروون عن الرسول ، صلى اللّه عليه ،