القاضي عبد الجبار الهمذاني

136

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبعد . . فقد ذكر بعض أهل العلم ، أن التوراة ، التي في أيديهم مختلفة ، فيما تتضمنه ، وتشتمل عليه من ذكر أحكام ، وتواريخ ؛ واستدل بذلك على أن النقل فيه غير مستمر ؛ لأنه لو كان كذلك لما تغير حال ألفاظه ، حتى يكون في توراة اليهود ما ليس في توراة فرقة يقال لها « السامرة » ، من الزيادات ، والّذي في أيدي النصارى فيها أيضا زيادة ونقصان ؛ وكل يدعى منهم فيه النقل بالعدد الكثير ، والجم الفقير ؛ فكيف تصح الثقة بصحة ذلك ، مع ما فيه من الاختلاف ! . . على أنه قد قيل : إن في التوراة ما يدل على أنه ليس من كلام اللّه تعالى ، ولا من كلام موسى ؛ لأن فيها الإخبار عن موت موسى عليه السلام ، وعن أحوال بني إسرائيل بعده ؛ كما أن فيها الإخبار عن أنبياء ، كانوا قبل « 1 » موسى ، وكل ذلك يبين أنه من كلام من جاء بعد موسى ، وأن ذلك يقتضي القدح في كونه حجة ؛ وإنما يعلم في الجملة أن التوراة حق ؛ فأما هذا المنقول بعينه فالخال فيه ما ذكرنا فلا تصح الثقة به ؛ وإنما نرجع نحن في الثقة بالتوراة ، على الجملة ، إلى ما ذكره اللّه في القرآن ، في وصف حاله ، كما ترجع في نبوّة عيسى ، وذكر الإنجيل ، وأنه لم يصلب ، ورفع إلى السماء ، عليه السلام ، إلى ما ذكره اللّه تعالى في كتابه ؛ ونستدل بذلك على بطلان كل أمر منقول يخالف ذلك ؛ لأن المعجزات إذا أوجبت « 2 » صحة القرآن ، وصحة نبوّة محمد صلى اللّه عليه ، فالواجب أن نقطع بفساد كل من خالف ذلك ، فلم صار القوم بأن يتعلقوا علينا بالتوراة ، بأولى منا أن نتعلق في فساد قولهم بما تضمنه القرآن ؛ وهذا يوجب الرجوع إلى أدلة النبوّات ، فمتى صحت لم يكن

--> ( 1 ) لعل لفظ « قبل » هنا في غير موضعه ، والمعنى يستقيم مع « بعد » ؟ ولكنها في كل من « ص » و « ط » قبل . ( 2 ) في « ص » إذا وجبت أوجبت ، ويبدو أنه لا وجه لوجود « وجبت » لأن جواب إذا آت بعد الفاء في قوله فالواجب .