القاضي عبد الجبار الهمذاني

135

المغني في أبواب التوحيد والعدل

عما ينقل عليه ؛ كما لا يجوز أن يكتموه ؛ ولذلك لا يجوز مثله في نقل القرآن ، وإن جوّزنا فيه التحريف من جهة التأويل ، كما يفعله كثير من المخالفين ؛ وهذا صحيح مع اتصال التواتر ، الّذي قدمنا ذكره ، ببيان أنه لا سبيل لهم إلى تثبيت الاتصال في تواترهم ، مع الّذي نقل من حديث غلبة بختنصر عليهم . فإن قالوا : إنه وإن غلب ففي بقية من بقي منهم ما يصح به التواتر . قيل لهم : إنما يصح ما ادعيتموه مع الشبهة الواقعة بانقطاع النقل ، للأمر الحادث في أيامه ، متى تبينتم أن الذين بقوا منهم بلغوا كثرة ؛ فأما إذا لم يتبينوا ذلك فاتصال النقل غير ثابت . فإن قالوا : إن كثرة اليهود « 1 » الآن تدل على ما قلناه . قيل لهم : لا يمتنع أن يكثر النسل بعد الدهر الطويل ، من العدد القليل ، ولا يمتنع أيضا ذلك ، وإن لم يبق من القوم إلا الأطفال ، ومن يجرى مجراهم ؛ ثم بعد الكبر حصل من ولدهم الكثرة ، حالا بعد حال ، ولا يمكن أن يذكر مثل ذلك ، في نقل المسلمين وغيرهم ، لمعجزات محمد صلى اللّه عليه ، لأنه لم يعرف فيها مثل هذه الأحوال ؛ ولأن الّذي يقطع النقل هو ما يجرى مجرى القتل والإفناء ، حتى يتغير حال الكثرة إلى القلة ، فأما الغلبة فإنه « 2 » لا يؤثر في ذلك ؛ لأنا نعلم أن النقل لا يزول ممن يكثر عدده ، بغلبة الغير ، في سلطان وولاية ؛ وأن ذلك ربما قوّى النقل ، بأن تقوى الدواعي إلى النقلة ، على وجه الاستسرار « 3 » ؛ لأن المتعالم من حال من يمنع من الشيء أن يكون حرصه عليه أشد ، إذا كان المنع يتناول حالا بعد حال .

--> ( 1 ) ساقطة من « ص » . ( 2 ) كذا في كل من « ص » و « ط » . ( 3 ) رسم الراء الأخيرة من الاستسرار مشتبه في « ص » .