القاضي عبد الجبار الهمذاني

128

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل لهم : إن الأمر وإن كان كما قلتم ، فإن في وجوب النقل من جهة الاعتقاد ، ليس كوجوبه من جهة المعرفة ، لأن مع المعرفة يجب النقل ، لأمر يرجع إلى إزاحة العلة ، من قبل المكلف ، وإلى الألطاف التي يحدثها في الناقلين ، حالا بعد حال ، وليس كذلك ما يدّعى أنه ثابت ، وليس بثابت على الحقيقة ؛ لأن هذه الوجوه لا تجب في نقله ، وإنما ينقل من جهة الاعتقادات فقط ؛ وذلك قد يضعف كما قد يقوى ؛ وإنما أردنا بهذا الفصل أن نبين : أن الّذي تدعون من الوجوه ؛ التي لها يجب النقل غير ثابته عندنا فإن كانت ثابتة فينبغي أن يظهروها بحيث تقوم معها علينا الحجة . وبعد . . فقد عرفتم أنا ندعى أن التحريف والتغيير قد وقع في التوراة ، وأن القرآن قد ورد بذلك ؛ فمن أين أن الّذي ادعيتموه في النقل صحيح مع تجويزنا ما ذكرناه . فإن قال : قد ادعت طائفة جواز التغيير في القرآن ، ولم يمنع ذلك من صحته وزوال التغيير عنه ، لأجل النقل الصحيح عندكم . قيل له : إنا لا ننكر الدعاوى الباطلة في الأمور الثابتة ؛ وادعاء بعض الإمامية ذلك باطل عندنا ، وإن كانوا عند التحقيق لا يجوّزون التغيير في هذا المنقول منه ، وليس كذلك الحال فيما نقوله ؛ لأنا نبين أن القرآن معجز ، وأنه يتضمن في وصف التوراة ما ذكرناه عنهم من أنهم حرفوا وغيروا ؛ فأين أحد الأمرين من الآخر ! على أن الدعوى في هذا الموضع ربما كفت لأنا نريد أن نبين أن نقلهم لم يثبت عندنا أنه حجة ولا وقع لنا به العلم بحصول هذا القول منا ، والاعتقاد فينا ونحن كثرة ، لا يجوز أن نكتم ما نعلم ، أو نجحد ما نعرف ؛ ولو كان ما ادعوه حقا لم يجب ذلك في قولنا واعتقادنا ؛ وليس كذلك الحال فيما يحكى عن بعض