القاضي عبد الجبار الهمذاني
104
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فيه وجب في الوجه الثاني مثله ؛ لأنه قد ثبت بأدلة العقول أنه كما لا يجوز منه تعالى أن يخاطب بالفعل إلا القادر السليم ، فكذلك لا يجوز أن يخاطب بالفعل إلا إذا كان صلاحا . . يبين ذلك أنا لو علمنا بأمر متقدم أن الّذي تناوله الخطاب ليس بقادر لصرفنا الخطاب عنه ، وكذلك لو علمنا بأمر متقدم : أن ما تناوله من الفعل قبيح وفساد لوجب صرف الخطاب عنه ، فأحدهما كالآخر ، في أن الخطاب مرتب عليه ، وإذا صح ذلك ، وكان لا بدّ في الخطاب ، وإن قرن به لفظة التأبيد والدوام ، أن يكون مرتبا على ما قلناه من التمكين والقدرة ، فكذلك يجب أن يكون مرتبا على ما ذكرناه ، من كون الفعل صلاحا . فان قالوا : إن الخطاب يدل على أن ذلك الفعل صلاح ، ما دام مكلفا ، فلا يجب أن يكون موقوفا عليه . قيل له : أليس إنما يجب أن يدل على ذلك لو كان متناولا لهذا الفعل . . فلا بدّ من نعم . قيل له : فمن أين أن الخطاب متناول له ؟ وقد أريناك أنه لا يجوز أن يتناول ما هو مفسدة ، في الجملة ، من حيث لو تغير لوجب صرف الخطاب منه ، فلا بدّ له عند ذلك من أن يبين أنه مصلحة ، حتى يكون الخطاب متناولا له ؛ وهذا يوجب أن يعلق كل واحد من الأمرين بصاحبه ، فيقول : علمي بأنه صلاح يوجب تعلق الخطاب به ، وتعلق الخطاب به يوجب أنه صلاح ، وهذا يوجب أن لا يعلم الجميع ، فلا فرق بين من قال ذلك وبين من قال : إن الخطاب يدلني على أن من تناوله الخطاب يبقى قادرا سليما ، فإذا لم يمكنه ذلك الوجه الّذي قدّمناه فكذلك القول ، في كون الفعل مصلحة ؛ فإذا ثبت ذلك وكان النهى إذا ورد دلنا على أن